Al Jazirah NewsPaper Saturday  18/10/2008 G Issue 13169
السبت 19 شوال 1429   العدد  13169
تونس والعمارة الإسلامية 2-5
عبدالله بن صالح العقيل

.. ويتواصل الحديث عن المعالم الإسلامية في تونس الخضراء - كما يحلو للبعض أن يسميها بذلك - والمعلم الثاني فيها الذي تمت زيارته وتوثيقه بالمعلومات والصور هو (جامع الزيتونة) المشهور الذي بناه عبيد الله بن الحبحاب السلولي والي هشام بن عبد الملك على إفريقيا (732-741م)؛ لنبدأ بقراءة اللوحة التذكارية التي وضعت في مدخل المسجد، وتتضمن ما يلي (أسسه عبد الله بن الحبحاب سنة 114هـ 732م في المكان الذي أقام به حسان بن النعمان الصلاة عند فتح تونس 77هـ - 698م، وأعاد بناءه على شكله الحالي زيادة الله الثاني في سنة 250هـ/ 864م بأمر من الخليفة العباسي المستعين بالله، وتم غداة الاستقلال ترميمه ودعم أركانه بأمر من الرئيس الحبيب بورقيبة. وفي 9 أبريل 1988 زاره سيادة الرئيس زين العابدين بن علي حامي الحمى والدين وأمر بترميمه وتهويته وبسطه بالفرش وتلاوة القرآن في رحابه العامرة بصفة دائمة؛ ليبقى هذا المعلم منارة علم وحضارة يسهم على الدوام في إشعاع الإسلام في تونس وسائر البلاد الإسلامية). هذا ما قرأته في اللوحة المنصوبة في الجامع.

وأقول: وهذا الجامع يعتبر من أقدم المعالم الإسلامية في تونس والبلاد الإسلامية قاطبة؛ لذلك فإن رؤساء تونس ما بعد الاستقلال لم يدخروا وسعاً في العناية به. وتفيد بعض الروايات التاريخية بأنه بني عند فتح المسلمين لتونس في القرن السابع الميلادي على يد حسان بن النعمان، والبعض يفيد بأن الذي بناه عبد الله بن الحبحاب، أما التسمية فيرى البعض أنهم عندما أرادوا أن يبنوا الجامع وجدوا شجرة زيتون في مكان البناء فاستأنسوا بها وأسموه بذلك، ومنهم من يرى أن الاسم جاء إشارة إلى بقايا الزياتين التي كانت توجد بصحن المسجد وهي غير موجودة الآن. أما المسيحيون فيرون بأن التسمية تخليداً للقديسة أوليف.

ويعود أغلب المعلم الحالي لعصر الأغالبة، ويؤيد ذلك نقشان يشاهدَان، الأول في قبة المحراب والآخر على بيت الصلاة ويحملان تاريخ (864م)، ثم أضيفت في القرن العاشر في الجامع أروقة الصحن كما توالت الترميمات والإصلاحات في الجامع.

وللجامع دور ديني حيث لعب دور الجامعة لبلاد المغرب العربي خاصة تونس والجزائر، ويفد إليه طلاب العلم من كل الأقطار، ومن أشهر تلاميذه المؤرخ ابن خلدون والإمام محمد بن عرفة التونسي، وكان الجامع منارة للعلم، شع منه الثقافة والأدب والفنون الأخرى. ومن يقف على هذا الجامع يجد أنه أخذ من جامع قرطبة فن العمارة الإسلامية، وهو يحاكيه في شكل الصحن الخارجي وفي رواق الصلاة الذي يعلوه أسقف خشبية لونها بني تشبه ما كان يعمله آباؤنا عندما يقومون بطم السقف بالخشب والطين.

والجامع لم يكن له منارة في بداية بنائه ولكن المنارة الموجودة حالياً بنيت في القرن التاسع عشر الميلادي، وقد جاءت بشكل جميل وزخرفت بالرخام الأبيض والبني من الخارج. ويشاهد في الجامع برجان بارزان على جانبيه، أحدهما في الزاوية الشمالية الشرقية والآخر في الزاوية الجنوبية الغربية، وهما ليسا مرتفعين ويشبهان أبراج المراقبة التي يتم وضعها على أسوار المدن من أجل الدفاع عنها. كما تتم مشاهدة الإبداع في البناء بحيث تكون الأحجار بعضها بشكل قائم والبعض الآخر بشكل أفقي. أما منارة الجامع فتقع في الزاوية الشمالية الغربية من صحن الجامع، وهي على طراز التصميم المغربي في العمارة, وقد تم عمل الزخرفة فيها بشكل هندسي جميل ومتشابك الشكل.

وقد أدينا في صحن الجامع صلاتي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، وكان فيه الهواء عليلاً والجو جميلاً، وقد تم فرش مكان الصلاة بالحصر المصنوعة محلياً من السعف التي يسميها السعوديون (الخصاف)، وتم تزيينها بخطوط باللون الأحمر. وبعد أداء الصلاة قابلت مجموعة من الإخوة التونسيين يأخذون مكاناً في صحن المسجد بشكل منسق، وأفادوني بأنه في كل ليلة يقوم عدد (8) أفراد منهم بقراءة القرآن الكريم من بعد صلاة العشاء حتى أذان الفجر بحيث يُختم مرة في كل ليلة، وهذه سنة حسنة يحيون بها ما كان يفعله تلاميذ المساجد سابقاً. والجامع تغلق أبوابه بعد صلاة العشاء حتى أذان الفجر ثم من بعد صلاة الفجر حتى الساعة الرابعة عصراً، وتفتح أبوابه من الساعة الرابعة عصراً حتى نهاية صلاة العشاء. ويبقى باب واحد فقط مفتوحاً يؤدي إلى الصحن وعليه حراس يمنعون دخول غير المسلمين. كما وجدنا أناساً يثنون على الرئيس زين العابدين بن علي واهتمامه بالجامع. وللجامع عناصر مهمة يتميز بها عن غيره من الجوامع الأخرى، يلاحظها من يقف في الجامع، وأهم تلك العناصر في (بيت الصلاة) حيث عمل على شكل مربع غير منتظم فيه سبع بلاطات تحتوي على خمسة عشر متراً مربعاً، وتم تغطيتها بسقوف منبسطة. كما أن الحجارة هي الأساس في بناء الجامع، ويتم استعمال الطوب في بعض الأماكن. كما تتميز قبة المحراب بزخارف تعتبر نموذجاً فريداً في عمارة الجوامع.

وجامع الزيتونة في السنوات الماضية تخرج منه مجموعة من العلماء والمفكرين والمصلين مثل: ابن خلدون وابن عرفة وإبراهيم الرياحي ومحمد الطاهر بن عاشور ومحمد الخضر حسين وعبد العزيز الثعالبي والشاعر أبو القاسم الشابي وغيرهم.

هذا، وجامع الزيتونة يعتبر مركز إشعاع في الحضارة الإسلامية، والمفكر شكيب أرسلان يعتبره بجانب الجامع الأزهر وجامع القرويين والجامع الأموي أكبر حصن للغة العربية والشريعة الإسلامية. هذا، وسوف نتحدث في الحلقة الثالثة عن مقام أبي زمعة البلوي. ولكم عاطر التحية.

الرس


aa10@maktoob.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد