Al Jazirah NewsPaper Saturday  18/10/2008 G Issue 13169
السبت 19 شوال 1429   العدد  13169
حديث الأسبوع
مشاهدات واقعية في نقص المصداقية
د. محمد غياث التركماني

يبدو أننا نعيش في هذه الأيام أسوأ لحظات عمرنا، الأزمات عديدة ومتنوعة ومن كل حد وصوب. ويبدو أن الأزمة المالية التي عصفت بال Wall Street انعكست على ضمائر كثير من الناس بالرغم من بعد المسافات، وأخص منهم العاملين في مجال التجارة، فلم يعد الموضوع أزمة أسواق مال فقط بل تعدّاها لتصبح الأزمة أزمة ضمير وأخلاق.

***

في شهر رمضان المنصرم وكأي ربّ أسرة ساقتني قدماي إلى مجموعة من الأسواق التجارية الهامة في مدينة الرياض. كانت الأسعار المعروضة في الواجهات وعلى الرفوف أقل بكثير عن الأسعار عند صناديق (الكاشير). ولو سألت المسؤول هناك لأخبرك بأنه خطأ (وجلّ من لا يخطئ). لكن الخطأ عندما يتكرر في عدة أصناف فلا يعتبر خطأ مطلقا وإنما غش مقصود، مع أنهم في شهر رمضان رفعوا شعارات أخلاقية سامية في التكافل والتضامن مع الفقراء والمحتاجين. لكنهم ربما نسوا أو تناسوا ضبط الأسعار والشفافية ثم المصداقية في الإعلانات. ولا أعرف تماما لماذا يصرّ التجّار بتسعير بضائعهم بالهللات ما دامت الصناديق أصلاً لا تحتوي على تلك الهللات. وغدت علكة (نوفا) بديلة لها، وأصبح من النادر ألا ترى تلك (العلكة (عند صناديق (الكاشير).

***

أذكر أنه منذ عدة أعوام كان المطرب اللبناني (يوري مرقدي (يجتاح الإذاعات والفضائيات بأغنيته (عربيٌ أنا). تلك التي غنّاها بحماس زائد. وكنت أظنه أنه ربما سيحرر القدس غدا أو بعد غد بحماسه هذا وشجاعته. لكن صاحبنا باع العروبة كلها وزحف إلى أمريكا ليحصل على جنسيتها ورمى (عربيٌ أنا) خلف ظهره، ولا أستبعد أن نسمع منه في القريب العاجل أغنية (أمريكي أنا).

***

طبعاً لست هنا لتقييم أو إعطاء شهادات في الأخلاق والحس الضميري عند التجار أو المطربين، لكن الذي آلمني حقا أن أرى الخداع نفسه وغياب المصداقية قد وصلا إلى المجال الطبي وأخذا ينهشان في الجسم الطبي.

فمنذ عدة أيام كنت في زيارة لأحد الأصدقاء المنوّمين في أحد المستشفيات... في ردهة المستشفى وجدت إعلانا كبيراحول لقاح مضاد لسرطان عنق الرحم كتب عليه ما يلي:

(كل فتاة معرّضة لخطر الإصابة بالفيروس الذي يسبب سرطان عنق الرحم في مرحلة ما من مراحل حياتها) استشيري طبيبك للوقاية من سرطان عنق الرحم).

هذا الإعلان يوضح أن سبب سرطان عنق الرحم عند النساء هو التهاب فيروسي بالمطلق. والحقيقة ليست الدقة في هذا الأمر إلى هذا الحد لأنه ليس كل سرطان عنق الرحم عند النساء محدث بالالتهاب الفيروسي. إذ إن 70% فقط من سرطانات عنق الرحم عند النساء تكون نتيجة للالتهابات بفيروسات معينة من ال HPV (النوع 16 و18). وال 30% الأخرى محدثة بأسباب أخرى ليس لها علاقة بالالتهاب بفيروسات ال HPV من النوع 16 و18. وكان من الأجدر بالشركة المصنّعة وواضعي الإعلان أن يكونا أكثر شفافية ووضوحاً. فإن يأت الإعلان موضحاً أن هذا اللقاح وبإذن الله يحمي سرطانات عنق الرحم عند النساء المحدثة بالالتهاب الفيروسي. أو أن يُذكر بأنه يحمي بنسبة 70% من الإصابة بسرطان عنق الرحم عند النساء. وهذا يعني أن اللقاح لا يمنع سرطان عنق الرحم عند النساء بالمطلق.

تلك بعض من مشاهداتي الحقيقية في نقص المصداقية، وضباب الشفافية، فهل من مؤيدٍ يا أهل الحميّة؟.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد