Al Jazirah NewsPaper Monday  20/10/2008 G Issue 13171
الأثنين 21 شوال 1429   العدد  13171
أنت سلفي أم حداثي؟
د. عبدالرحمن الحبيب

أنت صحوي أم لبرالي؟ إذا كنت صحوياً فهل أنت: إخواني، جهادي، سروري، جامي..الخ؟ وإذا كنت لبرالياً: فهل أنت يميني، يساري، لا منتمي.. وطني، قومي، أممي؟ وإذا لم تكن من كل أولئك فهل أنت تقليدي محافظ أم تقليدي متفتح..الخ؟

مثل هذه الأسئلة وأشباهها من التصنيفات قد ..................

تظهر رغما عنّا بشكل أو بآخر في كثير من الحوارات الفكرية بمرحلتنا الراهنة. وهذا من الطبيعة الأساسية للحوارات بين الفرقاء، لكن كثيراً من الغيورين على الوطنية والحريصين على وحدة وتماسك المجتمع يرفضون التصنيفات المستندة على أساس الرأي أو الفكر، والتي ينشأ عنها فرز تيارات أو أطياف فكرية، وذلك نتيجة تصورهم أن التصنيف يؤدي أو يمكن أن يؤدي إلى الفُرقة والنزاع..

التصنيف بشكل عام هو مسألة طبيعية أساسية للتقييم وللتعريف وللفرز في كل الأشياء المادية من الإبرة إلى الطائرة، والمعنوية من الذائقة الفنية إلى النظرية الفكرية.. وفي المجال الفكري فإن وجود الأطياف أو التيارات المختلفة هي مسألة تنوع طبيعي يثري الكيان الوطني الشامل لكل الفئات الجزئية، خاصة إذا تم التمييز بين السلبي والإيجابي في طريقة تناول هذا التنوع وطريقة التصنيف التي ينبغي أن تراعي مقومات ومبادئ واعتبارات خاصة..

ومثلما نفتخر بوجود خصائص مميزة ومختلفة للأنواع الأدبية والفنية والاجتماعية والثقافية والفلكلور وأنواع التراث المحلي ونحافظ على هذا التنوع الغني كما يحدث في مهرجان الجنادرية وما شابهه، فكذلك يكون بالنسبة للتنوع الفكري وظهور مدارس مختلفة تستظل بسقف وطن واحد ودولة موحدة ودين واحد..

لقد ظل كثير من المفكرين والمثقفين العرب، يشددون باستمرار على التخويف من التعددية، وعلى ضرورة انصهار جماعات الرأي في بوتقة واحدة، وينسى أن الاختلافات والتعددية الفكرية هي طبيعة بشرية.. ولطالما كرر السياسيون العرب من يمينهم إلى يسارهم التشكيك في تلك التعددية بحجة أنها تمزق وحدتنا أو تثير نعرات فئوية داخل الوطن الواحد..

بينما في كل الدول المتقدمة الصناعية وفي كثير غيرها من الدول السائرة في ركب التقدم، نجد وحدة مستقرة رغم أن التعدد الديني والمذهبي والفكري فيها يفوق بأضعاف التعدد الموجود في المجتمعات العربية، ولم يخش أن تؤدي إلى صدامات عنيفة ممزقة.. بل يراها الكثيرون مصدر ثراء حضاري، فالتعدد والتنوع الثقافي كان ولا يزال أحد السمات الرئيسية للأمم والدول المزدهرة..

صحيح أن وجود أغلبية دينية أو عرقية أو ثقافية يمثل عامل استقرار أساسي للمجتمع وللدولة، لكن عبر الاعتراف بوجود التنوع، والانفتاح على الأقليات أو المجموعات الأخرى، وعبر التفاعل معها، وضمان حقها في الوجود والتعبير والممارسة، لتتحول هذه الأقليات إلى عامل محفز للإبداع والابتكار من خلال تبادل الثقافات والخبرات..

وصحيح أن الصدامات والتمزقات العنيفة التي تحصل حالياً في بعض المجتمعات العربية سببها السطحي المباشر هو الاختلافات الطائفية أو العشائرية أو الحزبية.. وصحيح أن التخوف من إعلان التعددية قد يكون له مسوغاته أهمها ما نشهده في الإنترنت والفضائيات من زيادة درجة الاهتمام بالفئوي (خاصة الطائفي والعشائري) على حساب الوطني..

لكن من أهم الأسباب العميقة لذلك - في عالمنا العربي- هو إغفالنا لهذه الفروقات ردحاً من الزمن، واعتبارنا أن هذه الفروقات غير موجودة، يجب طمسها أو عزلها وعدم الاعتراف بها، فصار مع مرور الوقت أن أخذت تنمو في الخفاء وفي الظلام.. تنمو على ثقافة الانعزال والاستئصال.. تنمو مع عقدة الاضطهاد.. فعندما خرجت من أقبيتها ظهرت تحمل تشوهات مرعبة.. خرجت تحمل ثأراً مؤجلاً، وفي جعبتها فتنة نائمة! فالاشكالية ليست في إعلان التعددية بل في طريقة إظهارها وتناولها..

وإذا كان التاريخ القريب لا يبشر بخير فيما يخص التعدد المذهبي والعشائري والمناطقي والحزبي، فإنه ليس من الحكمة أن يصادر حق الجماعات المختلفة في إبراز هويتها وتميزها، إذا كان إبراز هذا التمييز عقلانيا ويخضع للضوابط والأنظمة.. فليس صحيحاً أن يتم طمس التعدد وكأنه غير موجود، وليس صحيحا أن لا تتم دراسات علمية في هذا المجال، حيث مرَّ وقت في كثير من الدول العربية يتم فيه منع مجرد دراستها المنهجية في الجامعات، ناهيك عن مناقشتها الموضوعية الرصينة في المنتديات والمؤتمرات والمحافل الفكرية.. فمجرد طرح هذا الموضوع كان يُنظر إليه على أنه إثارة للنعرات وسوء نية، وخروج على الوحدة الوطنية أو الاندماج الثقافي..

محاولة الطمس هذه خلقت في مخيلة المجتمعات العربية أن التعددية تعني التناحر والتمزق حتى أصبح كثير ممن هم ينتمون لهذه الجماعات يرهبون حقهم في إعلان ذلك، بل ويزايد البعض (في حالة انفصام ثقافي حادَّة) شاتماً التعددية في النهار وممارساً للفئوية الضيقة في الليل.. يُقدس الوحدوية في العلن، ويمارس أسوأ أنواع الاستقطاب الفئوي في الخفاء.. حتى غدت بعض التيارات الفكرية وجماعات الرأي تُظهر ثقافة مختلفة عن الثقافة التي تبطنها داخل جماعاتها..

ومن هنا نثمن غالياً المواقف الإنسانية للملك عبدالله في مبادراته النبيلة المتوالية لكشف التنوع للنور، من تأسيس مراكز الحوار الوطنية والدولية إلى اللقاءات التاريخية بين ممثلي الأديان والطوائف المختلفة.. إنها إعلان إنساني مؤسسي للتعايش السلمي والتسامح بين الفرق المختلفة، وإعلان حقوقي باحترام الاختلاف بين الجماعات داخل الوطن الواحد.. والجماعات بين البلدان المختلفة.. والجماعات بين الأمم المختلفة..الخ.

الخوف أن تتحول المبالغة في فكرة الوحدة إلى إيديولوجيا شمولية قمعية تستلزم الانضباط الجامد الصارم والالتزام الأعمى بوحدة الجماعة عبر الانتماء الأحادي وسحق كل تعدد أو تنوع.. وحدة حجرية صماء ذات لون واحد وشكل واحد تلغي كل أشكال التنوع الطبيعي.. وهذا المفهوم الشمولي للوحدة يكاد يكون هو السائد في الفكر العربي، فكثير من المفكرين والمثقفين نظرَّوا لهذا الأسلوب بشكل مباشر أو غير مباشر، نتيجة لطروحاتهم التي ترى أن الدولة هي عبارة عن تمثيل عضوي مباشر وصاف للمجتمع، مما يعني الافتراض أن جميع فئات وشرائح المجتمع لا بد أن تنصهر في جماعة واحدة وتلغى كافة التنوعات والفروقات الطبيعية، وهذا مناقض للطبيعة ولسنن الحياة وتفريغ للمجتمع من مضمونه الحيوي المتنوع..

السليم هو الشعور بالوحدة الوطنية في ظل التنوع، مع التمييز بين هويات جزئية سلبية تفرق بين أبناء الوطن الواحد وبين هويات جزئية إيجابية تنضوي تحت لواء الوطن باعتباره مظلة للجميع وهوية واحدة موحدة لهم.. وعبر الاقتناع بالمواطنة من خلال الانتماء لدولة واحدة تنظم وتحمي الحريات العامة والخاصة وترعى الاختلافات بين: الثقافات والتيارات الفكرية وجماعات الرأي المختلفة، والمذاهب، والعشائر، والأقاليم، والحضر والبدو والريفيين، والطبقات والمهن وكافة فئات وشرائح المجتمع... فكن ما شئت من هذه الفئات، فكلنا للوطن والوطن للجميع..



alhebib@yahoo.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6848 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد