Al Jazirah NewsPaper Wednesday  29/10/2008 G Issue 13180
الاربعاء 01 ذو القعدة 1429   العدد  13180
يارا
مستقبل الفوضى
عبد الله بن بخيت

كل من فتح له مجموعة بريدية خطف بريدي من الجريدة وضمني إليه. في السابق كانت المجموعات تبعث رسالة تعطيك فرصة الموافقة أو الرفض. لم يعد هذا موجوداً. صرت أستقبل في اليوم مئات الرسائل لا علاقة لي بها. بعضها نصائحجي وبعضها ديني وبعضها تجاري وبعضها فجور وبعضها تعبير عن رأي وأشياء أخرى لا حصر لها. لم يعد بريدي الإلكتروني يخدم الأغراض التي أسس ونشر من أجلها بالصورة الصحيحة. من الصعب تغيير البريد الإلكتروني. في حال تغييره لن أخسر سوى أصدقائي وأعمالي، أما المجموعات البريدية فسوف تعاود نفسها أو سيأتي غيرها. على كون هذه مشكلة كبيرة إلا أن هذا قاد إلى مشكلة أخرى. صارت تصلني معلومات صحية وثقافية وسياسية وفكرية من الصعب التحقق من دقتها. بعضه يضيف جديدا مدهشا ولكن المصدر لا يسمح لك بإضافتها إلى مخزونك المعرفي. المصدر المجهول لا يمكن أن تطمئن إليه. وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تعود إلى مصادر أخرى لتتأكد من صحة هذه المعلومات لسببين: الأول أن هذه المعلومات كثيرة ومتنوعة وليست في صلب اهتمامي. هل القرد يأكل تفاح. كثير من هذه المعلومات إذا جاءت أهلا بها وإذا غابت لن تسأل عنها. والشيء الثاني كمية هذه المعلومات وتدفقها اليومي. التحقق من دقتها يتطلب وقتاً لا أملكه. ما يجعلها قضية أنها في مجملها تضيف جديدا دون أن أعرف مدى صحة هذا الجديد أو تربك ما كنت أعرفه مسبقاً وبعضها يشتغل على مستوى القيم.

أتوقع بعد فترة أن تعمل هذه المعلومات (الكثيرة وغير المدققة) على إعادة صياغة ثقافة الناس ومواقفهم السياسية وحتى نظرتهم للحياة. إذا كنت تهتم ببريدك الإلكتروني وتفتحه يومياً وتحرص على إفشائه بين الناس فأنت عضو في نادي غامض لا قاع له. لك أصحاب لا تعرفهم ولا تعرف أهدافهم النهائية. آلة ثقافية (باردة) تعمل على برمجة دماغك على مسؤوليتك وعلى حسابك دون ضمان الحد الأدنى من الحقيقية أو الصدق أو حتى التلاؤم مع الأخلاق العامة.

أسمع كثيرا من الدعاوى تنادى بالتصدي للقنوات الفضائية وبمراقبة الإنترنت وتؤكد على دور الحماية. هذه الدعاوى ممتازة لولا أنها تنتسب لرؤية ماضوية تريد عودة الابن الضال إلى رعاية والديه التي لا تتوقف إلا بالموت. نموذج القنوات التي يقدمونها كبديل أو كمثيل لا يتفق مع أبسط درجة من درجات الحس السليم. هؤلاء أشغلهم الجنس( العلاقة بين المرأة والرجل) حتى أعجزهم عن رؤية المشكلات والتحديات الجديدة.

يصل إلى بريدي الإلكتروني صور جنسية متنوعة ولكنها لا تشغلني كثيراً بحكم أن طوفان المعرفة غير المرشد والمدقق يشكل أهمية وأولية. فالجنس على مدى التاريخ هو نفسه والانشغال به هو الانشغال نفسه على مر العصور. الحلال والحرام فيه محدد وواضح والعطب الذي قد يسببه الإهمال في هذا الجانب سهل إصلاحه. هذا التدفق المعرفي الجديد ربما يؤدي إلى إعادة برمجة الإنسان وحشوه بمعلومات وأفكار ونصائح وقيم دون توافر متآمر محدد يمكن اتهامه ومقاومته. خصمك ليس مؤسسة. خصمك الحقيقي في هذه الحالة الفوضى. ما الذي تعنيه معركة على هذا المستوى؟



Yara.bakeet@gmail.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6406 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد