Al Jazirah NewsPaper Sunday  02/11/2008 G Issue 13184
الأحد 04 ذو القعدة 1429   العدد  13184
أبكيك أنا يا بوي حياً وميتاً
ريما الرويسان

إن أسوأ شيء في الحياة الانتظار... وذلك عندما تترقب خبراً قد يكون وقعه مؤلماً عليك. فبين الحين والآخر يصبح جرس الهاتف والباب يمثلان لك رعباً وكل منهما قد يحمل لك خبراً محزن. وبالفعل كان رنين الهاتف النقال وأحسست بتسارع دقات قلبي وسرعة أنفاسي واستعنت بالله (فقد كان المتصل يحمل لي عن أقرب الناس خبراً مفزع).

في طريق عودتي للمستشفى طالت المسافات وأصبحت اللحظات ساعات... فقط أريد أن أعرف أنه ما زال حياً!

أفكاري متعثرة ودموعي مبعثرة ولا أدري ما أنا فاعلة؟

لا أتخيل البيت بدونك (يا عزوتي)... فذاك مجلسك وتلك غرفتك التي لم أدخلها بغيابك... هذا مصحفك وسبحتك ومشلحك ورائحة العود التي تسبقك. دخلت المستشفى ووجدتك مسجى على سرير أبيض والأجهزة تخترق جسدك الطاهر الواهن. نحن حولك ولا تشعر بنا!

هذه والدتي الصابرة المحتسبة تداري دمعتها وتقرأ القرآن وتسبح وتستغفر لك عل الله يلطف بك فهي رفيقة دربك و(الغالية) كما تسميها. اقتربت منك... يا إلهي كم هي قاسية صروف الحياة وكم هي زائلة ومخادعه!

فكما قال سبحانه وتعالى:{وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}. اهذا والدي الشامخ القوي الذي لم يقهره الكبر والمرض يوماً! لا أرى إلا شفتاك تأن وتسأل الله الغفران.

أمسكت يدك وأحسست بها تشد على يدي (وكأنك تريد أن تقول شيئاً) ولكن لا تستطيع الحراك.

جلست بجانبك وتذكرت طفولتي معك... كنت عندما تخرج انتظر رجوعك بفارغ الصبر كنا نتمشى ونلهو سوياً وتحملني بين ذراعيك.. صوتك الدافئ ولمساتك الحنونة وقصصك التي تغمرني بها حتى أغفو. كنت تملك (فن التعامل مع الطفل بالاحتواء والحنان والحب والعطاء).

دخل الطبيب وقطع أجمل شريط ذكرياتي معك.

تسارعت دقات قلبي فملامح الطبيب تدل على ان والدي ليس بخير ووصل المرض لمراحله المتأخرة (وهذا هو حال مستشفياتنا دائماً الداخل مفقود والخارج مولود)!!

ماذا أقول فيك يا قلبي وحياتي؟

أأقول مرثية الخلود فيك وأنا أفقدك كل لحظة!!

أم أرثيك وأنت حي بيننا ولكن لا تعي شيئاً؟

أبتاه من يملأ فراغك إن رحلت؟

أترحل يا أبي الغالي وتتركني أعاني مرارة الحرمان واليتم!!

كأن عينيا لذكراه إذا خطرت

فيض يسيل على الخدين مدراراً

قليلة يا مهجة القلب كلماتي فيك.. فقد كنت الحكم والمصلح في الخصومة.

كنت شيخاً وعميداً ومستشاراً في قومك تكرم الضيف وتقدر الكبير وترحم الصغير وللمرأة عندك مقاماً كبير.

كيف لا أحبك وأنت والدي الغالي الذي به أفخر ذو القلب الكبير وأنت من زرع فينا حب الدين والشرف والعلم والأمل؟

آآآآآآه يا لوعتي لفراقك يا أغلى الناس.

ما جدوى كلماتي فيك... ما جدواها وأنت فاقد الوعي؟

ولكن هذه إرادة الله تعالى فصبراً جميلاً إن الله مع الصابرين. وفي النهاية أتساءل عن هذه الحياة الزائلة وما يؤول له حال ونهاية الإنسان صغيراً كان أم كبيراً بالحوادث التي تحصد أرواح الملايين منهم من لفظ أنفاسه ومنهم من ما زال تحت وطأة المرض والمرارة والألم. وعزائي في إخواني فهد وعبدالله ومحمد وإن شاء الله هم خير خلف لخير سلف.

فاللهم ارحم موتى المسلمين وألطف بمرضانا وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. (أرجو الدعاء لوالدي).

- نائبة رئيس تحرير مجلة عالم الجمعيات


Reema450@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد