Al Jazirah NewsPaper Monday  03/11/2008 G Issue 13185
الأثنين 05 ذو القعدة 1429   العدد  13185
حول القصة القصيرة.. وملتقى القصيم

يمكن للمتابع لملتقى القصيم وفعالياته التقاط سمات التشابه بين القصة القصيرة والملتقى؛ فكما أن القصة تستدعي توفر وحدة الحالة الشعورية عند الكاتب، والتي تؤدي إلى أن القارئ يصل بعد انتهائه من القصة إلى النهاية التي وصل إليها كاتبها؛ فإن الملتقى يمثل مقاربة لهذه الوحدة الشعورية والتي جمعت بين نخبة سيلتئم شملها للإسهام في هذه الفعالية الأدبية التي تستمر لمدة ثلاثة أيام من 5-7 ذو القعدة 1429هـ الموافق 3-5 نوفمبر 2008م، ولن يكون رصد تلك الوحدة شاقًّا حين تستعرض أسماء المشاركين ببحوث أو دراسات، فهم ينتمون إلى مناطق مختلفة في المملكة ناهيك عن بعض الأسماء من مصر وتونس وفلسطين.

أما الملمح الثاني الذي يمثل وجهاً للتشابه بين القصة القصيرة والملتقى فهو عدم وجود فرصة لكلمة غير مفيدة أو معبرة؛ ففي مجال القصة القصيرة النموذجية لا يمكن لأي كلمة لا تخدم الهدف الأساسي للكاتب أن تتسلل إلى بناء القصة، وهو نفس ما قررته إدارة الملتقى التي حددت عدداً من المحاور المهمة لكي يتم التحاور بشأنها، والتي تتيح الفرصة للمشاركين للغوص في أعماق القصة القصيرة لالتقاط لآلئها ودررها التي قد يمر عليها القارئ العادي دون أن يلحظ فيها تلك الجوانب الإبداعية التي ترصدها ذائقة الخبير، وهو ما يمثل فرصة للتعرف على ماخفي من جوانب الإبداع والتميز في القصة القصيرة في المملكة، وكذلك جوانب التقصير بما يثري المشهد الثقافي المحلي.

ويمكن القول إن واحداً من الخواطر التي دارت في أذهان مسؤولي نادي القصيم الأدبي وكذلك المشاركين بالأبحاث؛ هو وضع القصة القصيرة في مكانتها اللائقة، حيث لا تلقى القصة رواجاً نقديّاً وإعلاميّاً كافياً، رغم أنها جنس أدبي راقٍ، ونوع متميز من أنواع الإبداع.

ولا ريب أن نادي القصيم الأدبي يحاول من خلال تنظيم هذا الملتقى أن يلقي حجراً في بحيرة مياه النقد الراكدة، حين اختار القصة القصيرة والقصيرة جدّاً لتكون هدفاً لدراسات الباحثين والنقاد وأساتذة الأدب كي يجتمعوا ويتناقشوا في فعالية يمكن أن تعيد لهذا الفن وهجه عبر متابعة نقدية جادة، واحتفائية يقدَّر لها أن تشارك في إطار حركة نقدية جادة تستطيع أن تساير هذا التدفق الإبداعي الذي لا يتوقف في هذا الفن.

وعبر نظرة فاحصة للأوراق البحثية يمكن أن نستدل على هذا التدفق الإبداعي المستمر عبر السنين؛ حيث تتناول إحدى الأوراق البحثية المهمة للدكتور يوسف بن حسن العارف قراءة في أعمال أحد رواد القصة القصيرة بالمملكة وهو محمد بن منصور الشقحاء، عبر قراءة من جانب الدكتور يوسف العارف ل(الحضور الأنثوي في خطاب الشقحاء القصصي)؛ في نفس الوقت الذي تستعرض فيه الدكتورة نوال بنت ناصر بن محمد السويلم تجربة القصة القصيرة السعودية لدى جيل الألفية، وهي إشارة ذات دلالة واضحة، وتعبر عن تضافر نجح القائمون على الملتقى في تحقيقه من خلال باقة من الأبحاث والدراسات الجادة التي يمكن أن تثري الحركة النقدية والإبداعية بشكل كبير.

ولا يمكن للمتابع أن يتجاهل تلك الميزة التي تتوافر لهذا الملتقى والتي تشير بوضوح إلى تنامي الاهتمام الأنثوي العربي بالقصة القصيرة إبداعاً ونقداً، حيث تشارك عدد من المتخصصات - جنبًا إلى جنب مع الرجال - في فعاليات الملتقى، ومنهن د. نوال بنت ناصر بن محمد السويلم، د. أسماء أبو بكر، أسماء صالح الزهراني، نورة القحطاني.

ويمكن القول إن المحاور التي وضعها المؤتمر للمبدعين بعثت فيهم طاقة خاصة، ونشاطاً سرى في أوصال النقاد والأدباء؛ فهم ينتهزون هذه الملتقيات الإبداعية في التواصل ومد جسور الحوار وتلاقح الأفكار والرؤى الإبداعية.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن الملتقى الرابع - الذي بلغ عدد المشاركات التي ستتم مناقشتها خلاله ثلاثين مشاركة بحثية - يعتبر الحلقة الثانية في إطار الملتقيات التي ينظمها مجلس الإدارة الحالي لنادي القصيم الأدبي، حيث سبقته العام الماضي دورة تناولت (جماليات القصيدة الحديثة في المملكة العربية السعودية)، ويحاول الملتقى أن يطرح رؤية متخصصة تؤطر للقصة القصيرة والقصيرة جدّاً من خلال عدد من المحاور التي تستعرض نشأة القصة القصيرة وتحولاتها التاريخية، والأسس البنائية للقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، والتشكيل اللغوي والجمالي للقصة القصيرة، وبنية الزمان والمكان فيها. كما تتناول المحاور التحولات الاجتماعية والثقافية وأثرها في القصة القصيرة، وقراءة نقدية لمجموعات قصصية، وقراءة نقدية لتجربة بعض كتاب القصة القصيرة، وتجربة القصة القصيرة جدّاً في المملكة، والحركة النقدية للقصة القصيرة، وتداخل الأجناس الأدبية في كتابة القصة القصيرة والقصة القصيرة جدّاً.

وفي لمسة وفاء لواحد من الذين شاركوا بإبداعهم في خلق كيان للقصة القصيرة بالمملكة يكرم الملتقى محمد بن منصور الشقحاء الذي لم يمنعه يتمه أو تعيقه ظروف نشأته القاسية من أن يصل إلى تلك المكانة الرائدة في مجال القصة القصيرة بعد مسيرة إبداعية بلغت خلالها إصداراته القصصية إحدى عشرة مجموعة قصصية، تتضمن قيمة فنية ومضمونية ما زالت أرضاً خصبة للنقد والدراسة.

ولا يبقى بعد ذلك إلا أن نتابع أعمال الملتقى الرابع لنتعرف على حجم الإسهام الذي يمكن أن يقدمه لمسيرة القصة في بلادنا، وحتى نرصد بشغف (فصول) الملتقى و(حواراته) لكي نصل إلى رؤية أكثر نقاء لنوع أدبي يعاني تناقضًا بين زيادة في الإنتاج وندرة في الرصد والتحليل.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد