دكتور خالد، أنا امرأة في الثلاثينيات، كانت طفولتي ممتازة، عشت عيشة أحمد الله عليها، لكن عندما أنهيت المرحلة المتوسطة فوجئت بأني لا بد أن أتزوج ابن عمي الذي عشتُ معه في منزل واحد.. وقد رفضتُ ولكن هددني والدي - رحمة الله عليه - وتم الزواج وأنا في الخامسة عشرة، لكنني لم أعِش في بيت عمي سعيدة؛ فقد كنت تعيسة، وبعد فترة طلّقني ابن عمي وقد كنت سعيدة لعدم علمي ماذا أحمل معي من لقب؛ فقد أصبحت مطلَّقة وأكملتُ تعليمي وأصبحت مدرِّسة، وبعد سنوات تقدَّم شاب لخطبتي فوافقت وتمت الخطبة، وبعد الملكة رأيتُه زوج المستقبل، ثم لا أدري بعد ذلك لم أرتَح إليه وأُصبت بحالة أني أريد التراجع، ورقدت على الفراش أسبوعاً فضغط عليّ أخي وأمي، وما أعانيه فقط خوف شديد وتردد.. وتم الزواج، فكانت ليلة الزواج كأنها كفن لي، وكنت كأن لي شهوراً لم أنم، فكنت أقوم من النوم لأنام، فقط هي أوقات الصلاة، وكان زوجي لا يشعر بما فيّ، أتصدق ذلك؟!! ولم أستطع التحمّل فعدت إلى أهلي، لكن زوجي صبر عليّ وكنتُ حاملاً فأنجبت طفلة وأراد مني أن أرجع فرفضت. كنتُ في تلك الفترة يقرأ عليّ قريب لي، وقد تعافيت من أشياء كثيرة مثل الحرارة الشديدة في اليدين وأني أحس بأن شَعراً يُسحب مني بشدة، وضيقة شديدة وبكاء، وكذلك كنت أشعر كأن في جسدي نملا يسير، وبعد مرور أربع سنوات ورفض زوجي الزواج عليّ رغم أنه لم يرَ مني أي بادرة جيدة طلبت أن أعيد التجربة فإما أن أعود إليه أو يطلقني، ورجعت إليه، ولكني كنت في ضيقة شديدة، وما إن أجتمع معه حتى أحس بأني أشدُّ الناس تعاسة، وعدتُ إلى أهلي، واستمررت، وبعد سنة قررت أن أعيد التجربة، ولكن بأن أزور طبيباً نفسياً، وزرت الطبيب مع زوجي، وأعطاني دواء للاكتئاب زاد حالة النوم التي أشكو منها والكسل، ولم أستفد منه، ونصحني بأن أطلب الطلاق، فقررت أن أطلب الطلاق وبشدة، فطلبت الطلاق لكن زوجي ماطل في ذلك ولم يطلقني، وطلب مني أن أبقى على ذمته حتى وإن لم أعِش معه، وهددني بابنتي بأن يأخذها عنده، وبعد مماطلة سنتين طلقني بالقوة من أصغر إخوتي، والبقية سلبيون كسلبيتي، لكن زوجي تغير بعد الطلاق فتارة يرسل لي رسائل الغرام، فإذا أخبرت أخي وعنفه بدأ بإرسال رسائل التهديد بأن يأخذ ابنتي، وأنا خلال تلك الفترة أربي ابنتي على حب والديها بالتساوي، ولم أكن أمنعه منها، وكان يأتي منزلنا في أي وقت لزيارة ابنته ويأخذها معه رغم أني أعلم أنه يحدثها أحياناً بأن تطلب مني العودة إليه وما إلى ذلك، فكنت (أطنش) الأمر رغم أني أراه يؤثر على نفسيتها، لكني كنت أحاول تعويضها وشغلها عن ذلك وأبيّن لها مزايا وضعها وحب والديها لها، عكس ما يقوم به هو. حصل بينه وبين أخي شد وجذب انتهى بتهديد أخي له إن اقترب من المنزل بعد أن هدد بأخذ ابنته للأبد، وكان للأسف يتصل بالطفلة التي في الصف الثالث ليهددها بأن يسحبها إلى الشارع وأن أخوالها لا يريدونها، ووقفنا له وأنهينا كل علاقة ورفضنا أن يأتي للمنزل في أي وقت أو أن تخرج معه. ومرّت الأيام وهو يرسل رسائل التهديد بالسحر والشعوذة، وكذلك بالتجني على شرفي. والد ابنتي للأسف حاول أخذ ابنتي من المدرسة دون إخباري مكتفياً برسائل التهديد رغم أننا نعرض عليه أن تذهب إليه فترة وتزوره، لكنه لا يريدها ولا يهمه أمرها، فكيف وهو يتحدث إليها في مواضيع لا يجب التحدث إليها فيها. دكتورنا الكريم ما أريده أني أرغب في الاستقلال والزواج لكن أخاف على ابنتي والعمر يتقدم بي، وزوجي الذي حدثتك عنه كان يراني طريحة الفراش ليلاً ونهاراً ولم يرني أستجيب إليه في أي وقت رغم أني أضغط على نفسي لكن أن يراني أمامه حتى لو لم أكن سعيدة فهي قمة السعادة لديه. ماذا أفعل دكتور؟ هل أعود إليه رغم ما قلت لك عنه أم ماذا أفعل؟ صدقني مللت من الطلب من فلان وعلان وترجي أخي هذا وذاك ومراضاة زوجته حتى يرضى عني.
بعد طلاقي تقدّم لي رجل قريب، ولكن كان ذلك في فورة طليقي ولم أوافق، وأيضاً لم أرغب الشخص، وأنا الآن لا أعلم هل يتقدم لي أحد أم أن العمر ولّى. دكتور هل تنصحني بأن أعود إلى طليقي؟ وماذا أفعل حتى أستطيع العودة؟ أريد أن أرجع لأكوّن عائلة سليمة لا مريضة نفسياً. صدقني أرغب في تكوين الأسرة، لكن ماذا أفعل؟
دكتور، أرجوك ساعدني وأرسل لي نصائحك، صدقني أريد تكوين أسرة، ولو أعلم أنني سأستطيع أن أعيش مع هذا الرجل دون تأثير سيئ على ابنتي وشخصيتي سأعود إليه.
أعرف أني أثقلت عليك، لكن صدقني ضاقت حيلتي.
ولكِ سائلتي أقول:
يعظم الألم ويشتد الوجع عندما تستحيل الأعراف والتقاليد إلى حبال خانقة وعصي موجعة!
فليس من كرم النفس ولا من علو القدر ولا من حسن البر ولا من تمام الرجولة أن توهب الفتاة كقطعة أثاث أو كمبلغ نقدي! وبأي منطق وتحت ظل أي شريعة تعامل الفتاة معاملة السلع وتُزوَّج بمن لا ترضاه؟ وقد حرّم ذلك الشارع الحكيم وشدّد في النهي عنه؛ فقد روى بريدة، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء.
من هنا كان المشهد الأول لمسلسل المتاعب.. وما تعانين منه الآن إنما هو آثار وإفرازات لهذا المشهد، التي كانت مثابة جراحة خاطئة قام بها والدك - رحمه الله - واستأصل بها من أعماقك معاني الأمان والثقة والاطمئنان للمستقبل، وما زال الخوف القابع في روحك يلقي بظلال قاتمة على حياتك.
أختي الكريمة.. لست أتحدث عن الماضي لأجدد ذكرى مؤلمة أو أنكأ جرحاً موجعاً، بل هي رسالة للآباء أخاطب بها قلوبهم الرحيمة وعقولهم الحكيمة، وأقول لهم: رحمة بفلذات الأكباد، وشفقة بهؤلاء الضعيفات، وتذكروا يوماً سيأتي يحاسبكم الله فيه على ما استرعاكم عليه.
أعود إلى المشهد الثاني من حياتك الذي ما كان لينتهي بتلك النهاية المتوترة لو أنك وزوجك تلمستما الحكمة، وأخص بهذا أنت وإخوانك؛ فاللغة العدائية كانت هي اللغة الحاضرة بالرغم من أن الرجل في البدايات كان يحمل حباً ويضمر مودة بالغة، ولو لم يكن كذلك فلماذا يصبر عليك في بداية الزواج؟ وفي أيام كان ينتظر منك حناناً واهتماماً وإقبالاً عليه، وإذا بك تنأين وتصدين عنه، ومع هذا لم يشتكِ ولم يتذمر، بل صبر وكرر هذا المشهد عندما ذهبتِ لأهلك، ورغم تصريحك بالمشاعر السلبية تجاهه إلا أنه تصرّف تصرُّف المحبين، ولم يقدم على الزواج بأخرى على أمل عودتك، وكل هذا يُحسب له..
كنت كثيراً ما أُحذّر من تدخل الأهل في المشاكل الزوجية، وخصوصاً الإخوان؛ لأنهم يدخلون بعقلية المنتقم وجُلّ تركيزهم على رد الاعتبار والانتصار للنفس والكرامة الشخصية، والنتيجة المتوقعة هي تفجُّر الخلافات وتعقيد الأمور، وهو ما حدث معك، وكنت أنت الضحية وابنتك وزوجك كذلك. وقد أدهشني طلبك الطلاق بشدة منه على حد قولك؟! أما كان من الأجدى أن يتم الموضوع تحت مظلة الهدوء وكنف الكلمة الطيبة، وإن لم تتيسر الأمور وتصلا إلى حل فالمحاكم لم توضع إلا للفصل بين الناس!
وأما حضانة الصغيرة فالأمر أختي لا يرجع إليك ولا إلى إخوانك ولا إلى رغبة زوجك، بل هو أمر يقرره ويحسمه القاضي من خلال نظرة شمولية وفَهْم لسياق الأحداث والبحث عن مصلحة المحضون وليس إلى مزاج الحاضن! والحق الأدنى لكلا الوالدين هو رؤية طفله من وقت لآخر، وأراك قد جاوزت الحد بحرمان طليقك من رؤية صغيرته، وهو الأمر الذي ثار حفيظته وأخرجه عن طوره. وللأسف أن تلك الخصومات وهذا التلاحي وشهوة الانتصار الشخصي للأسف كان ضحيتها الأكبر الطفلة، وإن لم تستدركا الأمور فلا شك أن تلك الأحداث ستخط خطوطاً عميقة في بنية الصغيرة النفسية.
سألتِ عن خيار العودة إليه وقد ذيلت السؤال بجملة (رغم ما قلت لك فيه)، وأعجب من طباعنا معشر البشر وجنوحنا المخيف نحو تحميل الآخرين كل المسؤولية وتبرئة ذواتنا وتنقية دواخلنا.. وبرأيي أن الصيغة الأنسب هي: هل أعود إليه رغم ما فعلناه ببعضنا؟
فأنت الطرف الأقسى في المعادلة ومَنْ عقّدها باستعداء إخوانك على زوجك في قضية لو كنت أكثر هدوءاً لحسمتِها لصالحك دون الاضطرار إلى كل هذا العنت!
يا ليتها إذ فدت عمراً بخارجة
فدت عليا بمن شاءت من البشر
أعود إلى سؤالك عن العودة إلى طليقك، فلا شك أن خيار العودة في العموم خيار مفضل بالنسبة لي، ولكن هناك سؤال يحضر وبقوة هنا، وهو: بأي عقلية ستعودين؟ وهل وجدتِ مخرجاً لمشاعرك السلبية تجاه الرجل!
وكذلك إن كنت ستعودين تحت ضغط الحاجة المادية لوجود الرجل فلا تعودي؛ لأن المحفِّز لا يرقى أن يكون خط دفاع قوياً تجاه أزمات متوقعة.. وإن كنتِ ستعودين بإحساس الأم وقلب الزوجة التي لم تفقد الأمل في قدرتها على إسعاد نفسها وأسرتها فهنا أقول لك (نعم ارجعي).
والأمر لا يتوقف عليك فقط، فهل الرجل ما زال يرغب في عودتك بعد مسلسل العنف والأذى الذي تعرض له؟
وأكثر ما أخشاه أن الرجل ما زال يتألم، وأن تكون عودتك فرصة للانتقام منك؛ فالقسوة والعناد وحصار الآخرين في ركن يتولّد منها الرغبة في الانتقام والانتصار للنفس، ومعه ستعاينين متاعب عدة، وبعدها ستعودين إلى المربع الأول مع دفع فاتورة كبيرة؟ على كل حال، إذا كان هناك ترجيح في أن الرجل سيتسامح وقبله قدرتك على التعايش والتكيُّف معه..
ولا أظن أن الوقت الحالي مناسب للعودة؛ حيث الأجواء المشحونة والقلوب المتربصة والجراحات الغائرة؛ لذا لا بد من فترة زمنية يتوقف فيها القصف وتهدأ النفوس وتثبت فيها النوايا الحسنة.. وفّقك الله ويسّر أمرك.