السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا فتاة أبلغ من العمر 20 عاما، في السابق كانت شخصيتي مختلفة تماماً عن السبعة أشهر الماضية، كنت فتاة في غاية الروعة، كنت أعشق الحياة، وكنت أعيش لحظاتي بطولها وعرضها، والكثيرون يعجبون بشخصيتي؛ لأنها بنظرهم نادرة. وذات يوم جلست مع نفسي بعض دقائق وحاسبت ذاتي إلى متى وأنا في غفلة، إلى متى وأنا أسمع الأغاني، وفي تلك الدقائق تغيرت شخصيتي، ولكن التغير يقلقني..
انقلبت إلى فتاة صالحة دينياً، خلوقة، أنا لم أمدح نفسي دكتور خالد، ولكن كي تعي حجم المشكلة.. لقد حذفت جميع الملفات التي كانت في جعبة اللاب توب وهاتفي الجوال، واستبدلت بعباءتي عباءة واسعة فضفاضة، ولم أعد أسمع تلك الأغاني، وبعدها الجميع سخر مني، وقالوا لي (أسبوع أو أسبوعين) وترجع حليمة لعادتها القديمة..
كنت لا أسمع لهم، واستمررت حوالي تسعة أشهر، وبعدها بسبعة أشهر إلى الآن أخي العزيز وأنا في حالة لا يرثى لها؛ أُصبت بمرض نفسي، لقد شخّصت حالتي من خلال دراستي لمقررات علم النفس في الجامعة، وأيقنت أنني أعيش في حالة نوع من أنواع القلق، وهو قلق مفرط (وسواس الأفكار)، سوف أذكر لك تفاصيل حالتي:
أترقب لوقوع شر، أحلام اليقظة كئيبة، مناماتي مفزعة، خوف من الموت.. إلخ
دكتور خالد، أنا لا يهمني الثلاث الأول، ولكني أخاف من الموت خوفاً شديداً؛ فأنا أنام وكلي خوف ألا أعيش غداً، كل يوم وأنا على هذه الحالة، لقد سئم الكثيرون من أصحابي وإخواني والقريبين مني، سئموا من جلوسي معهم؛ فقد وصفوني بكثيرة الشكاية؛ لأنني عندما أحس بألم في أي عضو من جسمي أحياناً أقوم بالاتصال بهم في أوقات متأخرة من الليل؛ لأنني أحسه الموت..
أخاف من السيارات لأن البعض قد مات بسبب حوادث السيارات، وحين يأتي شهر رمضان أعيش في قلق رهيب؛ لأنني أخاف ألا أبلغه، وكذلك العيد، والآن وأنا أكتب لك أخاف أن أموت بعدها لأكون قصة تروى للناس لأنني أتحدث عن الموت..
دكتور خالد، كم أتمنى أن تقرأ هذه الرسالة، مع العلم أنني أكتبها وأنا أدري أنك لم تقرأها لكثرة الإيميلات التي تأتيك..
أتمنى أن تجد لي حلاً لكي أعيش؛ فلحظاتي غدت وصارت من الماضي، والماضي لا يعود، وأنا أريد أن أعيش حياتي مثلما كانت في السابق، أريد أن أضحك، أريد أن أنسى الموت حتى يأخذني؛ لأنني أريد أن أعيش حياتي إلى آخرها دون قلق وخوف..
جزاك الله خيراً ووفقك لكل خير، ويسّر لك كل أمر عسير يا أرحم الرحمين..
أختك - (بقايا ماضي)
ولكِ سائلتي أقول:
وفقك الله وكتب لك الخير..
إن الحياة عندما تفتقد جوهرها الأصيل، وهو القرب من الله، تغدو كئيبة عامرة بالمعاناة والمكابدة.. لذا فإعادة نظرتك للحياة أختي الكريمة ورسم الملامح العريضة لوجودك في الحياة نعمة عظيمة وهِبة ربانية قد حرمها الكثير. فالشقاء كل الشقاء لكل من لم ينهل من معين الإيمان.. ومن يقرأ كلامك أختي الكريمة لربما ظن أن التدين قرين الألم والحسرات والاكتئاب، وهذا والله مجانب للحقيقة مخالف للواقع؛ فالواقع أثبت أن البعيدين عن الله فرائس سهلة لجحافل الأمراض النفسية.
لفت نظري التركيز على موضوع الأغاني وربطها بقضية حقيقة التدين، ولا شك أن هذا موضوع مهم، وما حدث من تغير في حياتك من ابتعاد عن الأغاني ولبس العباءة المحتشمة لا شك أنه خطوة في الاتجاه السليم.. ولكن ليست الأهم؛ فالتغير لا بد أن يطال الاعتقاد وصعيد العلاقات مع الآخر، وكذلك العبادات.. ويبدو أن فكرة التدين لم تتبلور جيداً لديك؛ فالتدين الحق لا يعني ترك متع الحياة ولا هجر مباحاتها، ولا يعني أن تتحول حياتنا إلى عزاء دائم ولحظات قلق مستمرة؛ فالتدين الحق يُقبل فيه الإنسان على الدنيا باذراً فيها لمزرعة الآخرة، ومعاهدة تلك البذرة لا يكون بالتشاؤم وكثرة التفكير بالموت، والتفكير من الأمور التي نتحكم فيها ونمتلك الخيار فيها، وليست قدراً مقدوراً علينا، عدا الحالات المتأخرة في بعض الأمراض النفسية؛ لذا ما يهمني أولاً هو إعادة صياغة رؤيتك للحياة، وهذا لا يكون إلا بالعلم، فمعه تتجلى الحقائق وتتكشف الشبهات، وسوف تسيرين في هذه الحياة بخطوات متئدة ملؤها ثقة وقوة.. وأما حالتك الدقيقة فأنصحك باللجوء إلى أحد الأطباء النفسيين الموثوقين للوقوف على حالتك وتشخيصها بدقة.. وفّقك الله ويسّر أمرك.