دكتوري الغالي.. أنا أريد منك حلاً أو توضيحاً أو أي شيء كان مريحاً لقلبي الذي يمتلئ بالحزن والقهر.. أنا طالب جامعي، أسعى دائماً إلى التميز وحب البروز في الخير وفعله والسعي وراءه دائماً، علماً بأنني غير ملتزم الالتزام الكامل بالدين، ولكن ما يقلقني ويضيق صدري أنني أريد فعلاً أن أصل إلى طموحي وأن أحقق ولو هدفاً من أهدافي، ولكنني أعجز عن ذلك، أريد أن أضع لاسمي مكاناً بين المميزين، ولكنني أعجز عن ذلك، أريد أن أقرأ وأن تزيد ثقافتي، ولكنني أرى في الكتب الكره البغيض، علماً بأنني أشتري كتباً كثيرة، ولكن للأسف لا أقرؤها، أريد أن أحقق طموحات كبرى لدي ولكنني أعجز عن ذلك حتى بل أعجز عن تحديد طموحات قريبة مني، أفكر كثيراً دكتور خالد في مشروعات كثيرة، ولكنني أجد مثبطين حولي يحجبون عني الفكرة ويثبطونني، أفكر كثيراً في إنجاز أعمال في الإجازة كتصميم مجلة مطبوعة ونحوه، ولكن سرعان ما يهدأ طموحي ويقف عند حد التفكير، أعاني كثيراً من الإنجاز؛ فأنا شخص غير منجز، أتصفح الكثير من المقالات لك يا دكتوري الغالي، ولكن سرعان ما يزول حماسي، لا أجد من يساندني في عملي، الكثير يقولون لي دعك في دراستك فقط، اترك الأعمال والأنشطة، دراستك التي تفيدك، لا أخفيك بأنني مثبط جداً من تلك الأقاويل، لا أعرف ماذا أفعل، أيوجد فعلاً شيء ينتشلني من هذه الحالة؟ أخشى أن يكون الكلام كغيره، ليس قصدي بأنه غير مفيد، ولكن غير مُجْدٍ معي، زملائي ألحظ فيهم أنهم أقل تفكيراً، مني علماً بأننا في مستوى واحد من العمر أو متقاربون جداً، لا يفصلنا سوى سنة واحدة فقط!! لا أخفي عليك أنني أفكر في بعض الأوقات بأشياء محرمة شرعاً لا لأنني غير مؤمن ولكن لم أجد الطريق!! لم أجد الطريق والمنهج في حياتي!! أريد طريقاً أسير عليه أحقق من خلاله طموحاتي وأهدافي، لا يوجد حولي من يعاونني أو يساندني في تفكيري، ينقصني الكثير من الاحتياجات أنا قادر على جلبها، ولكن يؤخرني التسويف والخوف أحياناً!! فأنا أخاف بعض الأوقات من فشلي وسقوطي، علماً بأنني كنت متفوقاً في دراستي وناجحاً في المرحلة الثانوية، ولكن لا أعرف ماذا حصل؟! علماً بأنني أصغر إخوتي، وأبلغ من العمر 20 عاماً، بلغتها في هذه الإجازة، أريد أن أعمل يا دكتور لكن لا يوجد في منطقتي فرص عمل، أريد أن أنجز أشياء شخصية لي ولكن لا أستطيع ولا أعرف لماذا؟ أريد أن أكون قدوة لمن يحبني من زملائي الذين ينظرون إلي بالنجاح ولكن لا أعرف كيف أكون كذلك، أجد نفسي دوماً أغير أرقام هواتفي ولا أعرف لماذا؟ ولكن قد يكون رغبة في الاختفاء ثم تحقيق إنجاز مفاجئ، لا أعرف من أين أبدأ رحلة نجاحي، ولا أعرف كيف أقضي وقت فراغي في منطقتي ومع أهلي في فترة الإجازة الصيفية!! أريد منك الحل يا دكتور؛ فقد تعبت؛ فأنا أسهر إلى الصباح، ولكن دون فائدة حتى أتمكن من النوم في النهار، فاتتني الصلوات فأنا لا أصليها إلا بعد الانتهاء من النوم وذهاب وقتها!! تعبت يا دكتور، أريد حلاً عاجلاً، أريد حلاً ينتشلني مما أنا فيه.. أنا لا أعرف مَن أنا، ولا أعرف إلى أين أنا ذاهب وسالك؟؟!!
ولكَ سائلي الكريم أقول:
إني أرى فيك شخصاً ذا إمكانيات كبيرة وهمّة عالية وطموح عريض.. وتلك بعض النصائح التي أحسب أنها ستنفعك وتصنع فارقاً في حياتك:
1- تحدثت عن حبك للخير وفعله، وهذا يدل على قلب متقد وعقل كبير.. وقد لاحظت أنك كررت كلمة بروز؛ لذا فإنني أذكّر نفسي وإياك بإصلاح النوايا وإخلاص المقاصد؛ فالذين همهم حديث الناس عنهم أبعدوا النجعة وحادوا عن الجادة، وسيكون هذا البروز نكالاً ووبالاً عليهم.. وعلى هذا فالبدايات إنما تكون أخي الكريم بأن تُصلح دواخلك وتُخلّص مقاصدك.. وأبشر بالتوفيق وتيسير الأمور. يقول الغزالي - رحمه الله -: لو أننا وصلنا الليل بالنهار دأباً ثم حُرمنا عناية السماء فلن نحصد من تعبنا إلا بواراً.. وعناية السماء لا تكون إلا بالنية الصالحة.
2- تحتاج إلى طوي صفحات الماضي والوقوف عند نقطة الصفر؛ فأنت لا تزال صغيراً، والظروف لصالحك، فلا ثمة عائق ولا حاجز ولا ظروف صحية أو اجتماعية تحول بينك وبين التفوق..
3- من لوازم النجاح تنقية العقل من السموم الفكرية التي استوطنت في عقلك اللاواعي من يأس وقنوط وتشاؤم وإسقاطات نفسية والنظرة الدونية للنفس وعقدة الكمال.. وهي بمثابة حكم بالانسحاب من معركة الحياة؛ حيث إن توالي قصف الذات بتلك الأفكار السلبية سيبقيك وحيداً أعزل، فلا أهداف يُسعى إليها ولا شيء يستحق المثابرة من أجله ولا مجالدة ولا صبر ولا قراءة صحيحة للأحداث ولا استشراف متأنياً للمستقبل.. وتلك أعراض ما يسميه علماء النفس متلازمة الهروب من الحياة.
4- اعلم أن الحماس والاندفاع الزائد والرغبة في إنجاز الأمور والوصول إلى الأهداف بسرعة قصوى جواز سفرك نحو عالم التعاسة، وحبيبنا محمد اللهم صلي وسلم عليه يجلي حالة أمثالك ويضع لها علاجاً ناجعاً بحديث فيه قراءة عميقة لعبثية الاندفاع وعواقبها حيث يقول: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!) والمنبت هو الذي يستحث الدابة حثاً شديداً مضنياً، يريد أن يقطع المسافات بسرعة، فتهلك وينقطع به الطريق. وها أنت تنهك نفسها بل وتنكل بها وتجلدها عندما ترى صحيفتك وقد خلت من الإنجازات العظيمة التي تريد أن تحققها بين غمضة عين وانتباهتها، ونسيت أن عفاريت سليمان ذهبوا معه، وقانون النجاح يعتمد كلياً على الصبر والمثابرة.
5- كررت كلمة أريد في الرسالة قرابة عشر مرات، وهذا حق مشروع لك ودليل على نفس متوثبة وروح متطلعة، ولكن الرغبة المشتعلة والفوران العاطفي لا يكفيان لتحقيق تلك الأمنيات ما لم تسلك الطرق المؤدية لها.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
فالبدايات إنما تكون بتحديد أهدافك، وهي تتحدد عن طريق الإجابة عن سؤال: ماذا أريد في حياتي؟ ولا بد من أن تشمل الجوانب الأربعة في الحياة (العقلية والروحية والاجتماعية والجسدية).. ويجب مراعاة شروط الأهداف الصحيحة، وهي مناسبتها للقدرات ووضع زمن محدد لتحقيقها، إضافة إلى كتابتها (ارجع إلى كتاب العادات السبع للناجحين). وتذكر يا رعاك الله أن ما ميز الناجحين عبر التاريخ هو قوة التحمل والصبر على ألم التغيير، يقول المفكر الشهير ماريون كوبماير: إن المفارقة الواقعة بين الذين يصلون والذين لا يصلون هي نفسها المفارقة الواقعة بين الذين يفعلون والذين لا يفعلون! فحشد الأمنيات يا صديقي ورص الأحلام لن ينفعك بشيء ما لم تكن هناك خطة واضحة المعالم تراعي القدرات وتوائم الظروف.
6- كما تحتاج إلى تبني عادات فكرية جديدة، ومن أهمها الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة، والإيمان التام بأن الفشل أمر لازم للنجاح الاحتفاء؛ فمعاشر الناجحين يقيناً أنهم قد تعثروا وسقطوا في حياتهم، ولكن لم يستكينوا، بل نهضوا وأكملوا الطريق؛ فالفشل ليس غولاً يُخاف منه، بل هو جسر موصِّل للنجاح، ولربما كان من أمضى الأسلحة التي ترجح كفتنا في معركة الحياة.
7- لفت نظري حديثك عن قلة المعين وندرة المشجع، وهذا للأسف يا صديقي أمر قد ذاع في مجتمعنا وانتشر بحسن نية وأحياناً بسوء نية؛ لذا لست أرى بديلاً من تأسيس مصنع داخلي لتوليد المحفزات دون انتظار تشجيع الآخرين، والحياة يا صديقي لم تفرش الورد في طريق العظماء في بداياتهم، والحياة بكل ما فيها لا تنصر إلا الذين ينصرون أنفسهم، وهي ليست مدينة لي أو لك أو لأي أحد بوجوب إحضار الفرص لأبوابنا، بل علينا أن نحطم تلك القيود وننطلق باحثين عنها؛ لذا كُفّ عن لوم الآخرين ولا تجنح إلى تحميلهم مسؤولية تقاعسك وضعف تخطيطك؛ فهم في شغل عنك وعن مشاريعك وأهدافك؛ فتلك قضيتك وحدك، وأنت الكاسب الأول فيها.