رغم المعاناة والجوع وضيق العيش وحاجة الآباء إلى مساندة أبنائهم في كسب قوتهم إلا أن الاتجاه إلى التعليم كان هو السائد لدى أهالي البكيرية في ذلك الزمن مما يؤكد تجذر الوعي بأهمية التعليم في هذا المجتمع منذ عشرات السنين، فحتى الجو والكد في كسب الرزق لم يقف أمام تحصيل العلم والسعي في طلبه، ورغم توجه الآباء إلى مزاولة النشاط الزراعي الذي وفرته التربة الخصبة للبكيرية إلا أنهم لم يبخلوا على أبنائهم بإرسالهم إلى الكتاتيب بجوار المساجد حيث التعليم على مدار السنة، وكانت النتيجة أن تفوق هؤلاء الطلاب وأصبحوا فيما بعد علماء ورجال أعمال يشار إليهم بالبنان على مستوى العالم العربي والإسلامي.
وكانت البكيرية آنذاك قرية يافعة تتكون من بضعة بيوت طينية صغيرة، إلا أن عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي كان هو السائد في تلك الفترة، علاوة على شظف العيش وقساوة الحياة التي تُشعل أوارها عوامل الفقر البيئي عموماً وتمركز مناطق الإنتاج الزراعي والرعوي في بضع مناطق معينة بوجه خاص وكان الناس في أمس الحاجة إلى بناء نظام حكم رشيد يوحد الوطن ويرسي لبنات التنمية والبناء واستمرت الحال على ما هي عليه إلى أن جاء التحول الرئيس في مستقبل البكيرية بل مستقبل البلاد برمتها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز (رحمه الله) وقد نال رجال البكيرية من شرف هذا التغيير من خلال مناصرتهم للملك عبدالعزيز ورجاله فكتبوا بطولاتهم بأيديهم وأدخلوا البكيرية إلى التاريخ من أوسع أبوابه.. هذه إذن البكيرية بتاريخها ورجالها، فالنبت الطيب لا ينبت إلا في الأرض الطيبة، هكذا أراد أن يخبرنا الملك عبدالعزيز (رحمه الله) بحنكته ونظرته الثاقبة، ليختار بذكاء أن تكون البكيرية هي الأرض التي يهزم فيها الأعداء مستنصراً بالله تعالى ومستقوياً بتلاحم أهالي البكيرية معه، لتأتي معركة البكيرية الفاصلة في غرة ربيع الثاني عام ألف وثلاثمائة واثنين وعشرين بمثابة الإعلان الواضح عن قيام الدولة السعودية الثالثة تحت راية التوحيد والحكم بكتاب الله تعالى، وكفى بالبكيرية شرفاً وفخراً أن تكون نقطة الانطلاق لبداية عهد جديد يحفه السلام والأمن والطمأنينة وتسير في ركبه عناصر التطور والنهضة والحضارة.
وأخذت هذه المدينة الفتية تشهد ربيع ازدهارها ونمائها أسوة بمدن المملكة جميعها مستفيدة من موقعها الجغرافي المميز حيث تتبوأ مكانها في وسط منطقة القصيم، لا بل تعتبر البكيرية في قلب المملكة جغرافياً وحلقة الربط بين شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، فقد حباها الله تعالى أرضاً خصبة ومياهاً عذبة شجعت الأهالي عى فلاحة البساتين وحث الأراضي ومن ثم تبني النشاط الزراعي، وقد برع في هذا المجال أبناء البكيرية وأحرزوا فيه نجاحات واضحة وهنالك العديد من النماذج المشرفة في هذا الاتجاه.
كما شغل أبناء البكيرية مناصب مهمة فمنهم العلماء ورجال الدولة، والقادة والعسكريون، وقد أبلى أولئك الرجال بلاءً حسناً وأثبتوا جدارتهم في تنفيذ واجباتهم ومسؤولياتهم تجاه بلادهم، وحق علينا أن نرفع رأسنا عالياً ونحن نطالع تاريخ هؤلاء الرجال العصاميين الذين اعتمدوا على أنفسهم في وقت لم يكن على ما نشهده الآن من سهولة الحياة وتوفر أسباب التعليم والخدمات.
إن ما بذله رجال البكيرية من جهد حتى نالوا ما تصبو إليه طموحاتهم وما يتطلع إليه إخوانهم من أهالي البكيرية كان الحافز لنقول لأبناء جيلنا هذا: (خذوا مفاتيح النجاح والفلاح ممن سبقكم وامضوا في طريقكم لتكملوا ما بدأه أجدادكم لتحافظوا على الإرث الحضاري لمدينتكم البكيرية).
* مدير عام مجموعة التداوي الطبية