Al Jazirah NewsPaper Tuesday  18/11/2008 G Issue 13200
الثلاثاء 20 ذو القعدة 1429   العدد  13200

ذكرياتي عن معالي الفريق المحمود
د. علي الزبن

 

معالي الفريق صالح بن محمد المحمود من رجالات الدولة الذين أوكلت لهم المهمات الشاقة فقاموا بها خير قيام، وكان رحمه مثالاً يحتذى به في الأمانة والصدق والإخلاص، حيث جعل من كفاءته ومواهبه في خدمة هذه البلاد فضلاً عن ما يميزه من خلق كريم كالمزن صفاء وحلاوة وأدب عال جم يفيض عذوبة ولطفاً وخبرة أكسبته الأيام والمهام فإذا هو حبيب كل نفس.

هذه الخواطر جاشت بنفسي حينما طلب مني أخي وزميلي أبو تميم أن أستعيد بعض ذكرياتي مع والده معالي الفريق صالح بن محمد المحمود. لا أريد أن أتحدث عن علاقتي واتصالاتي به فهذا ليس مجال الحديث وإنما أريد أن أتحدث عنه شخصياً.. لقد أكسبته الأيام والتجارب خبرة يلمسها كل من تحدث معه أو أبدى له رأياً؛ فمعاليه من ذوي العلم والأدب والعزم والحزم، لقد أصاب معاليه من الثقافة العليا والأدب الرفيع ما يُشار إليه بالبنان، وجه صبوح يشع من النبل والكرم والعفاف والوفاء، إنه من ذوي الثقافات العالية والذين صابروا كل باب من أبواب المعرفة الفذة ولا أبوح سراً أن معاليه قد اكتسب تجربة وخبرة وذهنية متوقدة، وعندما تقدّم إليه المسائل والقضايا المختلفة فإنه يعكف على حلّها وأوجه الخلاف فيها ودراسة أوجه الحلول حتى يظفر بكل إيجابي. وفي أواخر عهد الملك سعود أناط به الأمير فيصل آنذاك وكان قائد خفر السواحل في جدة متابعة كل ما يصدر من العملات فقام بالمهمة خير قيام وأثنى عليه الملك فيصل رحمه الله أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، كما حدثني بذلك رحمه الله، وحينما شكلت لجنة الاستقدام في عهد الملك فيصل رحمه الله برئاسة الأمير فهد آنذاك جعل الفريق نائباً له فقام بتنظيمها وترتيبها فقام بالمهمة خير قيام. وأما عمله في سلاح الحدود ومتابعة السواحل الذي يزيد طولها عن 1300 كيلو فكان العجب العجاب في ذلك رحمه الله، فكان الرجل المناسب في المكان المناسب كان مثالاً يحتذى به في الإخلاص والدقة في العمل. أما حافظته رحمه الله فكان حافظاً لكتاب الله يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، كان آخر لقاء عن الفقيد الجمعة الماضية، حيث ضمنا مجلس ممتع في بيته لا أرض لي لو أن لي من حمر النعم تحدث رحمه الله عن نشأته العلمية الأولى قبل دخوله السلك العسكري لقد كان حديثه سهلاً مرسلاً لا تمل منه ولا تكل، فالوقت من حلاوة الحديث وأنس المجالسة يمر مر السحاب ناهيك عن طيب النفس، وفي هذا اللقاء أورد له مقتطفات من نونية ابن القيم بدءاً من قوله:

لله زائرة بليل لم تخف

عسس الأمير ومرصد السجان

قطعت بلاد الشام ثم تيممت

من ارض طيبة مطلع الإيمان

وأتت على وادي العقيق فجاوزت

ميقاته حلا بلا نكران

إلى أن وصل:

قالت وقد كشفت نقاب الحسن ما

بالصبر لي عن اراك يدان

فتحدثت عندي حديثا خلته

صدفا وقد تزين به العينان

فعجبت منه وقلت من فرص به

طمعا ولكن المنام وهاني

ان كنت كاذب الذي حدثتني

فعليك إثم الكاذب الفتان

والحديث عن أبي محمد يطول رحمه الله ففي عمله العسكري الذي استغرق ما يقارب نصف قرن جداً ومثابرة وأمانة وإخلاصاً للدين ثم عليم ووطنه ما يملى صفحات وصفحات إنه في جيل التأسيس وما بعد مرحلة التأسيس فهو من الرجال الذين قدموا لهذه البلاد أعمالاً وتضحيات وكان صالح من ذلك الجيل رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد