Al Jazirah NewsPaper Friday  28/11/2008 G Issue 13210
الجمعة 30 ذو القعدة 1429   العدد  13210
شكراً يا خليجيون
حجاج حسن أدّول

مأساة النوبة بدأت عام 1902 مع إنشاء خزان أسوان وإغراقه لمساحات من الأرض النوبية ببيوتها ونخيلها، وإجبار عدد من القرى للهجرة الجانبية لأعالي الجبال. ثم تصاعدت المأساة بتعلية الخزان مرتين، وكل مرة بإغراق إضافي وتهجير جانبي إضافي، ثم كان السد العالي الذي أغرق النوبة المصرية كلها وقطاع من النوبة السودانية، وتم تهجير النوبيين عام 1964 إلى الصحارى بعيداً عن موطنهم النيلي. كان التهجير فوضوياً فوجد النوبيون أنفسهم في صحارى ليس فيها نبتة خضراء، والتعويضات الهزيلة التي أخذوها صرفوها على المأكل والمشرب، فقد تم تهجيرهم إلى واد صحراوي لم تستكمل فيه استصلاح الأرض التي من المفترض أن يزرعوها! فما العمل؟ الفقر مذل لأناس تعودوا على الاعتزاز بكرامتهم. وقتها كان المنقذ الأساسي هو الانفتاح الذي كان في دول الخليج. انطلق الشباب النوبي إلى الخليج العربي مع غيرهم من شعوب العالم العربي والأجنبي. ونستطيع أن نقول بكل فخر.. إن حكومات وشعوب الخليج استقبلوا النوبيين استقبالاً خاصاً. فقد أعطوا الثقة في كل من هو أسمر جاء من النوبة أو من السودان. الثقة أولاً بادئاً ذي بادئ.

فكان السير في أغلبيتهم على مستوى هذه الثقة الخليجية، بقوا في أعمالهم أمناء اليد والضمير. عمل النوبيون في الخليج وأفاء الله عليهم بالرزق الطيب، وبهذا من ذهبوا إلى الخليج استطاعوا إرسال أموال كافية إلى أهاليهم وذويهم كافة. وأيضاً تبرعوا في تعمير وإنشاء المساجد والمدارس وغيرها. بل إن بعض رجال الأعمال الخليجيين وعدد من الأمراء تبرعوا لكافة الأغراض في قرى التهجير النوبية، واذكر هنا الشيخة حفصة الكويتية التي أنشأت في قرى التهجير النوبية مجمعاً شاملاً يحوي مسجداً ومدرسة أزهرية ووحدة صحية. كان الخليج العربي هو المنقذ الفعلي من أزمة فقر رهيبة كانت ستتعرض لها قرى التهجير النوبية بعد تهجير 64 المؤلم. فقد بقيت القرى في صحراء كوم أمبو، من خمس سنوات إلى إحدى عشرة سنة، لم تستلم أراضيها الزراعية القليلة التي قالت الدولة إنها عوضتهم بها! وهم في الأصل مزارعون، فليتخيل كل امرئ كيف تكون حالته مع إهمال الحكومة المصرية لهم؟ استمر رجال النوبة في الذهاب إلى دول الخليج سنوات وسنوات وحتى الآن، حتى إن قرية نوبية (جورتة) وهي ثلاثة تجمعات كبيرة (جورتة أول، جورتة ثاني، جورتة ثالث)، رحل الكثير من أبنائها إلى الكويت خاصة وتركزوا هناك، فقيل عنهم (جورته رابع)، واستمرت وحتى الآن المعاملة الطيبة للنوبيين السمر من حكومات الخليج وشعب الخليج عامة، واستمر النوبيون في الاحتفاظ بأمانتهم وحبهم للخليج والخليجيين.

لذا وجب الشكر علينا، وجب أن نعترف بمن له فضل إنساني والفضيل الأساسي هو الله باعث الرزق للجميع. صحيح أن الخليج وشعبه أديا واجبا إنسانياً مفترضاً، والصحيح أيضاً أن تقول لمن أحسن أحسنت، أن نوضح شكرنا لمن أفادنا وأعطانا حباً وأماناً.

هذا على المستوى النوبي العام، وأقول الآتي على المستوى الخاص بي: بعد سبع سنوات فادحة حرباً ضد إسرائيل، خرجت من فترة التجنيد فلم أستطع التكيف مع الواقع المصري وقتها. قاربت الثلاثين من عمري ولا أملك أي مال. سافرت وعملت في مدينة جدة بالسعودية عام 1976. أولاً نزلت في المكان الذي خصصه أصحاب فندق (الكندرة) للعاملين. كان المكان شاسعاً وبه الكثير من الجنسيات خاصة أبناء النوبة. وأي نوبي يأتي بإمكانه أن يبات في هذا المكان بأريحية إنسانية عالية من أصحاب الفندق. بعدها عملت في شركة الزاهد (كتربلر) كنا نؤدي تصليحات كبيرة في قصر الشيخ يوسف الزاهد رحمه الله.

وقصره في مكان شاسع بالقرب من الميناء، وبه قصور اخوته أيضاً وهم أصحاب توكيلات جنرال موتورز وغيرها. وكنت ملاحظ عمال لمجموعة كبيرة من العاملين في ترميم القصر تحت إشراف المهندس جورج سافاس وهو يوناني ولد وعاش في القاهرة. وبعد انتهاء العمل، ذهبنا لبناء المقر الجديد لشركة يوسف الزاهد بالكيلو 13 طريق جدة - مكة. وأشهد أن الشيخ يوسف الزاهد رحمه الله، كان يتعامل معي بأسلوب إنساني، وكذا ابناه الشيخ طلال والشيخ وليد. أكملت سنة في شركة الزاهد تراكتور. وفيها ذهبت إلى البحرين لاستكمال أوراقي، أمضيت أسبوعاً مع أقربائي العاملين في قصر الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وكان ولي العهد آنذاك. فأحببت مدينة المنامة كما أحببت مدينة جدة. ثم كان رحيلي إلى الرياض، حيث كنت سكرتيراً لسمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن جلوي رحمه الله. ومقره قريب من مطار الرياض القديم بالسليمانية. وخلال عملي كان إنجابه لابنه الأمير سعود، وأم سعود التي اعتبرتني أنا وابن خالتي أخوين لها، وزرنا معها أكثر من مرة أسرتها ذات الأصول المغربية. ودارت حوارات في شتى المجالات بيني وبين الأمير عبدالله بن جلوي رحمه الله. وأهمها حبي للملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله. وبعد أن دخلت المجال الأدبي، كتبت رواية للناشئين (هجوم القراصنة) بطلها الأساسي جيل الأطفال العرب الذين سيحررون الربوة (فلسطين) ومعهم عدد من الحكماء وأهمهم الحكيم فيصل. ولم تطبع تلك الرواية حتى الآن بكل أسف. كان الأمير عبدالله يعاملني أنا وقريبي على أننا أولاده، رغم أن فارق السن بيننا وبينه لم يكن كبيراً، وهذا حقيقي والله على ما أقول شهيد. وخلال هذه الفترة جاءنا في زيارة من الكويت سمو الأمير سعد العبدالله الصباح رحمه الله. وكان معه مدير أعماله الدكتور عقيد وهو مصري مقيم في لندن (أرجو ألا تكون الذاكرة قد خانتني). جلسنا أرضاً ووسطنا صينية الكبسة وتناولنا الغداء سوياً من دون أي تفرقة، وسمو الأمير سعد العبدالله كان معروفاً باحتضانه للنوبيين وارتياحه لهم. وأيضاً كان تعرفي على سمو الأمير خالد بن سعد بن عبدالعزيز فقد ابتاع سكناً شاسعاً جميلاً بجوارنا وتشاء الظروف أن يكون بيننا أكثر من حوار. فمثلما كان الذكاء يشع من عينيه، فإن التواضع والبساطة يتجسدان في كل لمحة منه.

فيا شعوب الخليج وحكوماتها، باسمي وباسم النوبيين نشكركم وبارك الله في بلادكم وفي أجيالكم القادمة. وأشكر المملكة العربية السعودية بلد الحرمين الشريفين التي شرفت بالعمل فيها سنتين، يا أبناء وأحفاد الشيخ يوسف الزاهد، ويا أبناء وأحفاد الأمير عبدالله بن جلوي، ويا أولاد وأحفاد صاحب فندق الكندرة، أدعو الله أن يرحمهم برحمته ويجازيهم بكل خير، لما فعلوه معي ومع غيري من خير. يا سمو الأمير خالد بن سعد بن سعود، بارك الله فيك وفي أبنائك وأحفادك، فقد كنت شاهداً على موقف عميق الإنسانية من سموه تجاه أحد المواطنين المصريين. وفي مملكة البحرين أشكر ملك البحرين على أسبوعين قضيتهما في المنامة وفي استضافة العاملين بقصره حين كان ولياً للعهد. وفي الكويت نشكر الشيخة حفصة على مجمعها الشامل. وندعو برحمة واسعة للأمير سعد العبدالله الصباح وبارك الله في أولاده وبلاده. والسلام.

الأديب النوبي المصري


oddoul77@gmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد