Al Jazirah NewsPaper Friday  28/11/2008 G Issue 13210
الجمعة 30 ذو القعدة 1429   العدد  13210
المؤسسات التربوية والأمن الفكري
د. فهد العبري

إذا كان الإرهاب ينقسم إلى قسمين إرهاباً فكرياً وإرهاباً محسوساً، فإن الأمن كذلك ينقسم إلى قسمين أمناً فكرياً وأمناً محسوساً، ومما لا شك فيه أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين كلا القسمين سواء بالنسبة للأمن أو بالنسبة للإرهاب، هذا الارتباط يأتي في شكل علاقة تراتبية، حيث يسبق الإرهاب الفكري الإرهاب المحسوس، وكذلك الأمر مع الأمن، فلا يمكن أن نتوقع تمتع مجتمع ما بأمن محسوس، ما لم ينعم أفراده بالأمن الفكري، ومن هنا تأتي أهمية الأمن الفكري، الذي ما فتئت حكومة هذا الوطن الرشيدة تعمل على توفيره لمواطنيها، وحكومة المملكة العربية السعودية بهذا العمل توافق الإسلام الذي حرص على الأمن الفكري لمعتنقيه، فالإسلام حدد مقاصد الشريعة في خمس ضرورات حرص على حفظها، ويأتي في مقدمة هذه الضرورات الخمس ضرورة الدين، فلكل إنسان الحق في العبادة ويحرم الإسلام الاعتداء على الدين بأي صورة من الصور، لأن هذا الاعتداء على عقائد الناس ما هو إلا اعتداء على أمنهم الفكري.

وتلعب المؤسسات التربوية دوراً كبيراً في خلق وتعزيز الأمن الفكري في المجتمع ككل، فمن قصر النظر أن يختزل دور هذه المؤسسات في الوظائف التقليدية كالتعليم وتقديم المعرفة، فالمؤسسات التربوية وعلى رأسها الجامات منوط بها الشيء الكثير خصوصا في هذا الوقت حيث عليها العمل على غرس الوطنية وتنميتها لدى الشباب والمجتمع ككل، كما أن عليها تعزيز الأمن الفكري الذي هو شرط مهم لتحقيق الأمن المحسوس في الوطن، وهناك الكثير من المبادئ والمفاهيم الذي يتوجب على هذه المؤسسات التربوية العناية بها.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه المفاهيم مفاهيم تراكمية يجب غرسها منذ الصغر وتعزيزها مع الأيام حتى تكون راسخة في مواجهة العواصف الفكرية التي لا يخلو العالم منها، وهنا تأتي أهمية المدارس الابتدائية ومعلميها في لعب دورها المنوط بهم وهو دور الغارس لهذه المفاهيم الواضع للبناتها الأولى، وهو دور في غاية الأهمية، فعلى القائمين على هذه المدارس أن يغرسوا في طلاب هذه المرحلة حب الدين أولا، فمتى غرس هذا الحب كلما أصبح الطالب معتزاً بهويته الدينية، ثم يأتي غرس حب الوطن، وأن هذا الوطن قد اجتباه الله أن يكون قبلة المسلمين وشرّفه باحتضان المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأن حب هذا الوطن لا يتنافى البتة مع الدين، فكما ذكرت في مقال سابق عندما خرج المصطفى صلى الله عليه من مكة إلى المدينة قال ما يؤكد محبته لها، يقول عبدالله بن عدي بن حمراء رأيت رسول الله واقفاً على الحزورة فقال: (والله إنك لخيرُ أرض الله وأحبُّ أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجتُ منك ما خرجت) أخرج الترمذي. ثم يأتي بعد ذلك غرس حب ولاة الأمر في عقول الطلبة، فعندما تبين لطالب هذه المرحلة أن ولاة أمر هذا الوطن يعملون من أجل مصلحة المواطن والمواطن وأن عليهم الالتفاف حول هذه الحكومة وعدم السماع لمن يريد بهذا الوطن سوءاً فإنك تكون قد خلقت بذلك حصنا منيعاً في عقول هؤلاء الناشئة ضد الإرهاب الفكري، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة غرس مفهوم المجتمع والحياة المجتمعية في عقول الطلاب، فقبول الاختلاف واحترام الآخر والحرص على حريات الآخرين كلها مفاهيم تبدأ من المرحلة الابتدائية، لذلك فإني أتمنى من وزارة التربية والتعليم مراعاة الاختيار الدقيق للمعلمين والمعلمات الذين يتولون عملية الغرس في مدارسنا الابتدائية، فهناك الكثير من المعايير التي يجب أخذها في الحسبان والتي لا يتسع المجال لذكرها هنا.

ولا تقل أهمية المرحلة المتوسطة أو الثانوية عن أهمية المرحلة الابتدائية من حيث تعزيز الأمن الفكري لدى الطلاب، ثم تأتي المرحلة الجامعية التي من المفترض أن تكون مرحلة تعزيز ومن ثم قطاف لما غرس سابقاً في المرحلة المتقدمة، فالجامعات تضم، أو من المفترض، أن تضم الصفوة الفكرية للمجتمع القادرة على أخذ طلابها إلى بر الأمان بعيداً عن الإرهاب الفكري، فما المانع أن يقوم الأستاذ في بداية كل محاضرة بتعزيز الأمن الفكري لطلابه قبل البدء في شرح مادته العلمية، وما المانع أن يبتكر الأستاذ طريقة جديدة لعرض مادته تحقق الأمن الفكري لطلابه، وقد جربت أنا شخصياً هذا الأمر في تدريسي لمادة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الجامعة حيث ركزت على مفاهيم كالوهابية، وعلاقة الوهابية بالإرهاب، وفكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وقد طرحت الكثير من القراءات الجديدة في مقال بعنوان (الوهابية والإرهاب هل من صلة) نشر على صفحات هذه الجريدة الغراء، ولقد لمست تفاعلاً منقطع النظير من الطلبة.

ولا يقتصر دور الجامعة داخل أروقة حرمها الجامعي بل لابد أن يمتد للمجتمع ككل، فالجامعة مصدر إشعاع ثقافي وعلمي ينتظر منه الكثير، فلابد أن يكون محاضرات عامة، كما يجب عليها التفاعل مع المؤسسات الإصلاحية الأخرى كالسجون فلربما محاضرة واحدة في سجن ما عن حق الوطن وولاة أمره وتعزيز الأمن الفكري تؤدي ما لا تؤديه عقوبة السجن لعدة أعوام. وهذا لا يعني أن تتخلى المؤسسات التربوية الأخرى كالأسرة والمسجد عن دورها في تعزيز الأمن الفكري، بل يجب أن تتضافر الجهود في هذا المضمار.

فالأمن الفكري في نهاية المطاف مسؤولية الجميع، والفائدة الناتجة عن تحقيقه تنعكس على الجميع.

جامعة القصيم


alabri3@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد