لا شك أن للندوات والملتقيات والمؤتمرات والمجامع العلمية والدعوية الأثر البالغ في معالجة المشكلات الحيوية التي تطرح على الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، والخروج بتصور مشترك ورؤية مستقبلية عما يمكن أن تكون عليه أوضاع المسلمين في المستقبل وهذا نتيجة لالتقاء عدد كبير من العلماء والمفكرين والفقهاء وأصحاب الرأي وتداولهم الخبرات والمعلومات ووجهات النظر المتعددة مما يثري هذه الموضوعات، ومن تلك اللقاءات ما تنظمه كل عام وزارة الحج في المملكة العربية السعودية من ندوة مباركة تسمى ندوة الحج الكبرى ويجتمع عقدها في رحاب مكة المكرمة ويختار لها الموضوعات الحيوية والمؤثرة في حياة المسلمين وفي شعيرة الحج على وجه الخصوص، فمثلا كانت ندوة العام الماضي حول (حجة الوداع شعائر وقيم) التي وصلتني أعمالها المنشورة في مجلدين كبيرين ظهرا بحلة قشيبة تظهر فيهما عناية القائمين والمشرفين على هذه الندوة واخص بالذكر منهم الأستاذ الدكتور هشام عبد الله العباس الأمين العام لندوة الحج الكبرى، أما ندوة هذا العام فقد اختير لها موضوع حساس ومحوري بالنسبة لشعيرة الحج ومشاعره وهو (الاستطاعة في الحج في ضوء المقاصد الشرعية والواقع المعاصر) ومن المعلوم أن شريعتنا الإسلامية الخالدة قد تميزت بيسرها وسهولتها حيث إن الله تعالى لم يكلفنا ما لا نطيق {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}وقال عز شأنه {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}ومن هنا تأتي أهمية الموضوع من كونه متعلقا بكل مسلم يرغب في أداء هذه الشعيرة العظيمة بيسر وسهولة، ويتعلق بمشهد الحج ليكون مشهدا حضاريا متميزا بعد مراعاة جانب الاستطاعة من قبل الأفراد والدول وترجع أهمية الندوة أيضاً إلى المحاور التي تدور حولها وهي تأصيل الاستطاعة في ضوء مقاصد الشريعة ومفهوم الاستطاعة في الحج وحج بعض فئات المسلمين في ضوء الواقع المعاصر ومسائل لها أثرها في أحكام الحج وتغير الفتيا في ضوء مقاصد الشريعة والتعريف بالمشاعر وتطويرها.
كما أن الأبحاث التي ستناقش في هذه الندوة أبحاث مهمة تتعلق بالمشاعر ومكانها وأهميتها في إتمام شعائر الحج وبالتأصيل الشرعي للاستطاعة في الحج وتأثرها بالمقاصد الشرعية والفتاوى الفقهية وتأثر الفتوى بمفهوم الاستطاعة والنوازل المستجدة بمراعاة الظروف والأحوال والأزمان، كما أنها تتعلق بالمشقة المؤثرة في الحج سقوطا وتخفيفا وبالسعة الزمانية في الحج وعلاقتها بالمقاصد الشرعية والواقع المعاصر والسعة المكانية أيضاً ويدخل فيها توسعة المشاعر والمسعى وصلاة الحجيج في المسجد الحرام وخارجه، وتتعلق أيضاً بحج المرأة والمريض في ضوء الواقع المعاصر وتيسيرات الشريعة على المرأة وحج الشيوخ والمرضى والصغار وذوي الاحتياجات الخاصة وما يتعلق بحج القائمين على مصالح الحجاج وأحكام الدماء في الحج وطرق أدائها قديما وحديثا ومدى انسجامها مع مقاصد الشريعة وضيق المكان بمنى ومزدلفة وأثرها في الفتيا في أحكام الحج وبالطواف بالبيت الحرام وأداء سننه عند ازدحام المطاف بالحجيج وبحكم تكرار الحج في العصر الحديث بسبب كثرة أعداد المسلمين وبالزحام وأثره في أحكام النسك وبإدارة الحشود الكثيفة في الحج وتوافر الأمن كشرط من شروط الاستطاعة في الحج وأثارها الصحية وأنظمة الحج الحالية وعلاقتها بمقاصد الشريعة ومفهوم الاستطاعة، وجهود حكومة خادم الحرمين الشريفين في تيسير الحج وتنظيمه وتوفير الأمن والسلامة لجميع حجاج بيت الله الحرام وتوسعة المشاعر والطرقات والمستعرض لمحاور الندوة وموضوعاتها يلحظ أنها تعالج المشكلات الواقعية التي تواجه تنظيم الحج وتجمع الحجاج في كل عام في هذا المشهد الإسلامي الكبير وتحاول أن تجد لها الحلول الشرعية المناسبة
إن هذه الندوة هي ندوة إسلامية عالمية يشارك فيها عدد كبير من علماء العالم الإسلامي وهي لذلك تعتبر مجمعا إسلاميا عالميا راقيا يضاف إلى أعمال عظيمة وجليلة لهذه البلاد المباركة.
سدد الله الخطى وبارك في الجهود.
* أستاذ الفكر المعاصر المساعد - جامعة الملك عبد العزيز بجدة