أتابع سلسلة الجهود المبذولة في («الجزيرة» الغراء) حول ما يتعلق بعشر ذي الحجة والحج ومعقباً أطرح هذه المشاركة راجياً النفع والفائدة فيها فأقول:
نعم الله على عباده تترى، وآلاؤه العظمى تتوالى {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}، كلما انقضى موسم من مواسم العبادات خلفه آخر {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} هاهي عشر ذي الحجة ليال وأيام قد حطت رحالها تحمل أمهات العبادات الجليلة ولهذا عظمها الله وأقسم بها فقال سبحانه {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} ويدل على عظمتها أن هذه الليالي منكَّرة من بين سائر ما أقسم الله به والعظيم إذا أقسم بشيء فإنما يدل على عظمته، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في تعيين هذه الليالي التي أقسم الله بها في هذه الآية فمنهم من قال إنها عشر من ذي الحجة وهذا هو الراجح والله أعلم، وقيل هي العشر الأواخر من رمضان، وقيل هي العشر الأولى من المحرم، وذكر أنها العشر المذكورة في قصة موسى (وأتممناها بعشر).
ولعشر ذي الحجة من الفضائل العظيمة ما جاءت به النصوص الشرعية فمنها: أنها الأيام المعلومات المذكورة في قوله سبحانه: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} قاله ابن عباس. ومنها: ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشرة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا الجهاد في سبيل الله؟ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.
وفي هذه الأيام قد اجتمعت أمهات العبادات من صلاة وصدقة وصيام وحج ونسك وذكر لله تعالى، فأما الصلاة فهي مأمور بها المسلم ما دامت الروح في الجسد على أي حال، وأما الصدقة فلو أخرج المسلم زكاة ماله في هذه الأيام لحصل على شرف الزمان، وإذا كان بمكة حصل على شرف الزمان والمكان معاً، وأما الصيام فقد روى الامام أحمد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر.
وأما الذكر فقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد.
وأما النسك ففيها الاستعداد للأضحية من حين دخول العشر فقد روى الإمام مسلم وأحمد عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره، وفي لفظ: فلا يمس من شعره ولا من بشرته شيئا حتى يضحي.
وفي هذه العشر يوم عرفة الذي صيامه يكفر سنتين لما روى مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
وهذا لغير الحاج، ولو كان بعرفة. ومنها أن هذه العشر قد ختم بها العام فلعل الأعمال الصالحة التي تكون فيها مكفرة لما سبق من الذنوب فإن الأعمال بالخواتيم.
وفيها من الحكم التشريعية غير ما ذكر الشيء الكثير، فعلى كل مسلم الحرص على اغتنامها بأنواع العبادات، ولا يحرم الخير إلا المحروم.
والله الموفق..
نايف بن حمود الرضيمان