عندما التحقت للدراسة في كلية الطب وبدأت الإبحار في دراسة جسم الإنسان أدركت منذ الوهلة الأولى أنني آتيه في بحر لا قرار فيه.
بدأت أولاً الدراسة في علوم التشريح، وأمضيت ساعاتٍ وأيام أحدّق في العظام واحدة تلو أخرى، فلم أترك نتوءا أو حدبة أو ميزابة أو انخفاضا إلا وتمعنت فيه، وحفظته عن ظهر قلب. ووضعت على طاولتي الدراسية الجمجمة البشرية مرة كاملة وأخرى مفككة. أنظر إليها صباح مساء ملياً دارساً كُلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيها دون كللٍ أو ملل. ثم بدأت بدراسة الشرايين والأوردة والأعصاب والأوتار والعضلات، ثم الأعضاء والأجهزة الأخرى جهازاً جهازاً، ورحت أتوغل في تلك الدقة المتناهية التي يتصف بها جسم الإنسان.
في السنة الثانية بدأت بدراسة وظائف الأعضاء وكيميائيتها، فوجدت نفسي أمام معمل يفوق أكبر المعامل نظاماً وتعقيداً، وأمام حواسيب يعجز (بيل غيتس نفسه) أن يفكّ لغزاً واحدا من ألغازها. وأمام مختبرٍ دونه كل المختبرات التي قدمتها التكنولوجيا المتطورة في العالم كله. ثم أتبعت الدراسة في علوم الخلية والأنسجة، ودهشت كيف أن هذا الإنسان إنما نشأ من خلية واحدة انقسمت ثم تمايزت ثم تطورت حتى غدت بشراً سوياً. وهذا هو الإنسان الذي كان يوماً نطفة من منيٍ يُمنى {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى}سورة القيامة (36)
إنّه الإنسان الذي كان خلية صغيرة لا تُرى بالعين المجردة فغدى جنيناً اجتاز من النمو أطواراً حتى وُلد بلا حولٍ ولا قوةٍ ليغدو جبّاراً عتياً {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} سورة الإنسان آية (1).
في السنة الرابعة بدأت بدراسة الأمراض، وأدركت ذلك السور المناعي العتيد والآليات الدفاعية الهائلة التي يقيمها الجسم البشري في وجه الأمراض المتعددة الكثيرة، وعندما أصبحت في السنة الأخيرة ظننت - وكان ظني خاطئاً - أنني عرفت كل شيء، عن هذه العضوية والمسماة (بالإنسان). عن تشريحها وجغرافيتها وكيميائيتها وفيزيائيتها ووظائفها وأمراضها وكيف تكون محاربتها... وبقيت في ظني هذا حتى بدأت الاختصاص في طب الأمراض الجلدية وهناك عاودت الإبحار في محيط ينهك القبطان، وسبحت في آلاف من الأمراض. كلٌ منها يتشعب إلى عشرات من الأسماء، وكل اسم يتفرع إلى مظاهر، وكل مظهر يغدو شكلا من الأشكال. أتعبني وأرهقني طب الجلد عندما قرأته دون أن أراه ثم حيّرني وأعياني عندما شاهدته صورة مذهلة من فنون الطب وآية بديعة من آيات الله الخالق الجبّار الذي صنع فأحسن كلّ شيء صنعه. وظننت مرة أخرى أنني أصبحت أكثر علماً مما مضى...
لكنني ربما نسيت وقتها، وأعتقد أن كثيرا من الزملاء الأطباء قد نسوا أيضا أنّنا مع كلّ تلك العلوم الدراسية الشاقة هناك أشياء كثيرة لم نرها، ولم نلمسها يوماً بيدنا في جسم الإنسان. فالإنسان ميّزه الله عزّ وجل بالعقل ونحن لم نر العقل يوماً أثناء التشريح أو الدراسة. نعم لقد رأينا الدماغ لكنّ الدماغ شيء والعقل شيءٌ آخر. وأهم من هذا كله هي الروح التي بدونها يبقى الإنسان جماداً. فمهما سبرنا نحن الأطباء جسم الإنسان خلية خلية لن نجد تلك الروح مطلقاً. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)سورة الإسراء.
من هنا يُخطئ الطبيب أيها السادة خطأً تاماً عندما يتعامل مع الجسم البشري على أنه عضوية فقط أو أنّهُ مجموعةٌ من جلدٍ وشعرٍ وكبدٍ وقلبٍ ورئة. بدلا من أن يتعامل معه ويعامله على أنه إنسانٌ ذو عقلٍ وروح. ولئن جهلنا نحن معشر الأطباء مكان العقل ومكان الروح فهذا لا يعني مطلقاً أنهما غير موجودين.
إن التعامل الصحيح مع الإنسان يجب أن ينطلق دوما من وجودهما، فبدونهما لا يكون الإنسان انساناً. وبدون التعامل مع الإنسان على هذا الأساس لا يكون الطبيب طبيباً أيضاً.
اليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً من التحاقي في كلية الطب أجد نفسي تلميذاً وطالب علم. فأنا كنت وما أزال أكرر وأقول: لا أعلم، ولا أعرف، وليس لديّ فكرة... بقي أن أودّعكم، ثم أذكّر نفسي وإيّاكم بقوله تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} سورة يوسف الآية (76).