Al Jazirah NewsPaper Tuesday  30/12/2008 G Issue 13242
الثلاثاء 02 محرم 1430   العدد  13242

من الذي صنع الانكسار..؟
د. حسن بن فهد الهويمل

 

عند كلِّ ضربة همجيّة موجعة تمارسُها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، تثور ثائرة الإعلام العربي بطريقة متشنّجة محمِّلة الأُمّة العربية مسؤولية ما يحصل دون استثناء، فيم لا ينبس عربي واحد بحق أحد من الشعب الفلسطيني، وهذا الهدير غير

المسؤول يصعد الاستياء المعاكس ويعمِّق الشعور السّلبي لدى الشعوب العربية، وما كان يجب أن يتشنّج الخطاب الإعلامي بحيث يطفئ وهج الإخلاص للقضية الفلسطينية، ويضلّل الرأي العام في أخطر قضاياه وأهمها.

إنّ هناك مقترفات بحق القضية مارسها الأقربون بحق أنفسهم، ولو وضعت الأمور في مواضعها لما آلت الأحوال إلى ما هي عليه الآن، وحين يحتدم الاعتداء غير المتكافئ ويسقط الشهداء الأبرياء، تتّجه العيون والحناجر إلى أُمّة معزولة ومهمّشة. إنّ قضية شائكة وخطيرة وعصيّة على الحل، لا يمكن تداولها على ألسنة مأجورة تقبع في دول الضباب وتعيش حياة الترف، لقد تحمّل الشعب العربي ويلات القضية، ودخل حروباً دامية من أجلها، وأنفق المليارات من الدولارات في سبيلها، وتعطّلت مشاريعه التنموية بسببها، وعند كل ضربة موجعة يتجه الاتهام إلى الأُمّة العربية التي لا يملك قادتها اتخاذ أي إجراء يلزم قادة الفصائل فضلاً عمّا سواهم، وفوق هذا وذاك فقد تركت بعض التصرفات غير المسؤولة جروحاً لن تندمل لدى بعض الشعوب العربية أثناء حرب الخليج، والقضية لن تحل بحرية وكرامة وقوة حتى يعرف الجاني حجم جنايته والخائن فظاعة خيانته. إنّ الاهتياج الأعزل والمبادرات المرتجلة وتملُّق الجماهير المخدوعة، لا يمكن أن يضيف شيئاً. لابد من مواجهة النفس قبل مواجهة العدو ومحاسبة النفس حساباً عسيراً قبل محاسبة الآخر، سينتهي الاعتداء بعدما ينجز العدو مهمته وسيعود الناس إلى وضعهم الطبيعي، وستنضم هذه العملية البشعة إلى سلسلة عمليات أبشع منها، وسيعود القادة الفلسطينيون إلى خلافهم مع أنفسهم ومع أُمتهم وسيلتقوا مع قادة العدو بحميمية ومجاملة تصل إلى حد الأخذ بالأحضان، فيم يحظر على قائد عربي أن تضمه مع مسؤول إسرائيلي قاعة واحدة. والذاكرة العربية مخروقة لا تحتفظ بشيء مما حدث وما يحدث ولا تتهيأ لشيء متوقع حدوثه، وإسرائيل التي تخطط للفعل والاحجام وتعرف كيف تفكك التضامن العربي وتصدع الوحدة الفلسطينية، تمارس عملها في الوقت المناسب وفي الظروف المواتية، وقد تمنحها الممارسات غير المسؤولة من الفصائل مشروعية الضربة الموجعة، والدول العربية والإسلامية ذات النزوع الثوري أو التصدير الطائفي تستغل القضية للتمكين لنفسها في أرض الوهم، وقد تقامر فيها، الأمر الذي يَحْمل دول الاعتدال على الاعتزال حتى إذا جدّ الجد ووقع الفأس على الرأس لم يبق في المشهد إلاّ الذين أُقْصوا ولم تسمع كلمتهم:

(وإذا تكون كريهة أدعى لها

وإذا يحاس الحيس يدعى جندب)

إنّ الإعلام العربي يمارس الإحباط والتخذيل ويخون أمانته لأنه لا يقول كلمة الحق، بحيث يقول للمخطئ أخطأت فلسطينياً كان أو عربياً أو إسلامياً وللمقامر بالقضية والمزايد عليها ما هو أهل له. إنّ استثمار القضية لبناء الأمجاد الوهمية جريمة لا تغتفر.

لقد نيل من القادة الشرفاء الأوفياء الذين تجدهم القضية ساعة العسرة، ولما يزالوا رغم ما ينالهم من افتراء وكذب على الخط الأمامي، لا يرجون من تضحياتهم جزاءً ولا شكورا، ولو أنهم بادلوا بالمثل لما قالوا كلمة، ولما قدموا دعماً. والإشكالية إنّ الغوغاء تحركهم الكلمات الفارغة، الكلمات غير المسؤولة، فأين الذين يدَّعون أنهم أهل القضية وخاصتها في تلك الساعات العصيبة، الساعات التي يهدر فيها الدم المسلم على أرض إسلامية ومن أجل قضية إسلامية.

إنّ على الفلسطينيين المنشقين على أنفسهم المتاجرين بقضيتهم أن يحفظوا لأهل الفضل فضلهم، وأن يعرفوا للمحسن إحسانه وأن لا يجعلوا إمكانياتهم تحت الطلب، فالوضع خطير والحصار والقتل والتدمير لا يمكن احتماله، وعلى قادة الأمة العربية، إن قيّض لها أن تجتمع، أن تتجاوز العارض إلى المرض العضال، مرض المتاجرة بالقضية على حساب النساء والأطفال والشيوخ.

إنّ عليهم أن يواجهوا بعضهم بل يواجهوا القادة الفلسطينيين، فما أضاع القضية إلاّ غضّ الطرف والمجاملات، والقول بأنّ الوضع الآن لا يحتمل أكثر من إيقاف العدوان وحقن الدماء، نعم نحن مع ذلك، ولكن من الخطأ الفادح أن يَرِمَّ الجرح على فساد، وكلما قبلنا بالحلول الوقتية واكتفينا بفك الاشتباك ثارت مشاكل أدهى وأمر، لقد ملّ الإنسان العربي من هذه الأوضاع المزرية، وضاق ذرعاً باللعب المكشوف بالقضية واستغلالها لأغراض دنيئة. إنّ على القادة أن يقولوا كلمة الحق ولو على أنفسهم، فالإنسان العربي بلغ حداً لا يطاق من الضجر والملل والغثيان، حتى لقد أصيب بالإحباط وكاد لا يكترث مما يرى وكأنه يردد: (على أهلها جنت براقش). إنّ خطاب العنتريات والمثاليات والقفز على الواقع وتجاهل الإمكانيات وتراكم المشاكل، سوف لا يزيد القضية إلاّ ارتكاساً في وحل المستحيل، وخطاب التيئيس والإحباط والاستسلام للواقع، لن يزيد القضية إلاّ ارتكاساً في وحل الذل والمهانة، وبين هذا وذاك خطاب العقل والبصيرة واستغلال الإمكانيات السياسية والعلاقات الشخصية والدفع بالتي هي أحسن ما أمكن ذلك. إنّ واقعاً دامياً مسّ الإنسان الفلسطيني بالذل والجوع والقتل، لا يمكن حله بخطاب الغوغائيين الذين يستثمرون المواقف الحرجة لترميم وجوههم الشائهة وإقالة عثرات سمعتهم الذميمة.

لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5183 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد