Al Jazirah NewsPaper Wednesday  07/01/2009 G Issue 13250
الاربعاء 10 محرم 1430   العدد  13250
غزَّة فضائياً
محمد الدبيسي

 

لأن (العزائم) كانت أدنى من جراحها.. ولأن (الهزائم) عنوان وفروض ومدونة تاريخ الأمة التي تنتمي إليها.. فلا يمكن أن تبصرها إلا (فضائياً)..

** (غزة فضائياً) فقط.. لأن الإحساس والارتباط القيمي بها.. لا يتجاوز حدود الفضاء المرئي.. وشهوته المفتوحة على المستجدات.. وعماد حضوره المستند إلى حراك العالم وأحداثه.. ومصائبه ومتوالياته وويلاته ومنجزاته وخزاياه وإحباطاته..

** ولأننا إزاءها.. لا نملك غير الكلام والدعاء.. فإن (الفضاء) بقنواته مجال لاستبصار واحدة من محطات هزائم الأمة وهوانها الأليم.. و(مرآة) تكشف لنا ما استتر من عالمنا ومنَّا.. من أنفسنا.. وضمائرنا ومنظومة قيمنا.

**.. وصفت (إحدى القنوات) العربية (شهداء) غزة بالقتلى..! وهي واعية بحساسية الاصطلاح ومقتضياته.. ودلالات الخطاب ومعناه.. ومدى تشكيله للوعي وتأثيره فيه..

وهي من كانت إلى (غداة العدوان) تعد مشاهديها وتمنيهم بغنيمة اقتنصتها (عينها الثالثة) تتمثل في سيرة مفصلة لمقتل مطربة محترمة.. حرصاً منها على تلمُّس ما يشغلهم ويساهم في تعزيز (طرفة) فضاء مسؤول..! فإذا ما أحست بعد أيام من العدوان.. بمأزقها... ارعوت شيئاً ما.. وانبرت تحاول اللحاق بمن تقدم..

** بينما اختزلت (قناة إخبارية) أخرى كل برامجها وساعات بثها.. لتنقل (غزة) للعالم كما هي.. برائحة دمها.. بدمارها وجثث أطفالها.. ومزق أجسادهم ودموع أمهاتهم.. وحرقات وآهات آبائهم.. وكل ما يمكن أن تتصوره أو لا تتصوره.. من تجليات الذّل والهوان والانكسار.. وبمهنية راقية.. وأخلاقية رفيعة مسؤولة نقلت (الحدث) للعالم.. كما هو.. وأسهمت في تأصيله في الوجدان الميت.. والوعي المستلب.. بفضل براعتها في عرضه ومواكبته واحترافها صياغة التوصيفات والتقارير الإخبارية واحتواء تداعياته بكل أنساقها في توازن ومهنية مدهشين..

** وعلى وقع ملامح الأطفال المدممة.. ومزق لحمهم الذي شذره العدوان.. وعلى وقع أخزى صور البؤس.. قدَّمت (قناة أخرى) مليون ريال لفتاة عربية لأنها استطاعت تحديد (نسبة النساء العربيات اللاتي يصبغن شعورهن)!! و(قناة أخرى) واصلت تماديها في إظهار بطولة عربية مائزة تعوض خسران قومها في (غزة), وذلك في برنامجها التنويري (هزي يا...) وقناة.. وقناة.. (وكلما أنبت الفضاء قناة..) كشفت مزيداً من عوار الضمير ومآزقه.. وضحالة الأفق وقتامته..

** ولأننا في زمن ثقافة ونفوذ الصورة.. وسطوة الملتيميديا ووسائط النقل والعقل والقيم وخلافها.. فإن تنوعات وتموجات (الفضاء وأقنيته) تنضح بالمعنى.. وترشح بنوعية قيم القائمين عليها.. في مشهد لا يسعك إلا (........)

** في سياق سالف مغاير قال الشاعر العربي (سميح القاسم):

إنَّ على العربي أن يخجل.. يأكل هو يخجل.. ويشرب وهو يخجل.. وينام ويحلم ويعمل وهو كذلك..

رأى (الشاعر العربي) أننا في زمن مخجل.. ولمَّا تأتِ حمولات ذلك الزمن بعد.. ب(قصة غزة)..!

كان (الشاعر العربي).. يراهن على بقيَّة من ضمير.. وحثالة من إحساس.. ورماد من قيمة..

ولكن (غزة فضائياً).. أكَّدت أن بعضنا (إنساناً وفضاءً) لا يلوي على شيء من بقية أو حثالة أو رماد..!



Md1413@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد