Al Jazirah NewsPaper Wednesday  07/01/2009 G Issue 13250
الاربعاء 10 محرم 1430   العدد  13250
قطاع غزة: صراع تقليدي ومآزق متلاحقة!
د. عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ

 

الحصار من قِبل الدولة العبرية لقطاع غزة: (ليس في الأمر جديد)، الجديد تلكم المحاولات اليائسة منها لإخضاع المقاومة الفلسطينية ذات القضية الشرعية، التي استطاع العالم الغربي أن يتفهمها، أما النظام اليهودي فيصر على تجاهلها والمماطلة في حلها،

على الرغم من التنازلات تلو الأخرى من القيادات الفلسطينية من أجل الخروج من المأزق. لقد حوصر شعب غزة لثلاث سنوات حتى الآن، فماذا يتوقع بعد ذلك غير فك الحصار بطريقة أو أخرى؟ الهجوم المعزز بالقصف الجوي والمدعوم بالمروحيات، بعد أسبوع يخطو الجيش اليهودي الخطوة إياها التي قام بها في لبنان صيف 2006م، هذه المرة بدأ الجيش هجماته على الشريط الساحلي لغزة برياً.

قبل ذلك القصف كانت هنالك مفاوضات مع إسرائيل وحماس عن طريق مصر، وما يصرح به من قبل القيادات العبرية أن الدافع لتلكم الهجمات العسكرية (لتحطيم، أو كسر، إرادة حماس)، هكذا يصرحون، ومع ذلك يقتل المئات من المدنيين المستضعفين. وفي غفلة من العالم المشغول بأزمته الاقتصادية وانهياراته المالية، وفي وقت تعيش فيه أمريكا فترة انتقالية من رئيس مودع وآخر لم ينصب رسمياً بعد. أما الاستراتيجية ضد حماس فتتمثل في مجموعة من الدول التي يقول لسان حالها (هذه مسألة لم آمر بها ولم تسؤني)، منطلقة هذه المجموعة من الرغبة في إعادة قوة الفلسطينيين والحد من زعامة وأهداف القياديين في حماس.

ثم تعالوا لنرى الخسائر، خلال الأسبوع الأول بين الجانبين: صواريخ حماس تسببت في قتل 4 من الإسرائيليين، بينهم عسكري، وتسبب القصف الجوي الإسرائيلي في قتل 400 من الفلسطينيين، وارتفع العدد إلى أكثر من 550 بعد مرور يومين على بدء الغزو البري، ومع ذلك يدعون في الدولة العبرية الثبور وعظائم الأمور، لماذا؟ لاستدرار العطف، وهم يفعلون ذلك في كل زمان ومكان. كما أنهم يدعون محاولة تجنب إلحاق الضرر بالمدنيين أثناء القصف، علما بأن قطاع غزة صغير في مساحته، عال في كثافته السكانية، ومحاولة عدم الإضرار بالمدنيين من الصعوبة بمكان. ثم إنهم يدعون أن دوافع الهجوم العسكري واسع النطاق، جوياً والآن برياً، بسبب تعرض البلدات الإسرائيلية لقصف من قبل حماس، ولنسألهم وما دافع حماس للقصف؟ أليس للخروج من الحصار البشع الذي فرضته وتفرضه القيادة غير المسؤولة في الأراضي المحتلة، منذ خروجها من غزة منذ ثلاث سنوات مضت، أم لتصفية حسابات؟ أم لتحقيق أهداف داخل تلكم الإدارة العبرية؟ يتسابق اثنان من وزرائهم للفوز بمنصب الرئاسة الوزاري، وتلاحق رئيس وزرائهم الحالي قضايا الفساد المالي والإداري، وما حاولوا الخروج من مأزق إلا ووقعوا في آخر أبشع منه.

وعلى افتراض أن حماس ليس لها تلكم الشعبية، فماذا عن شعب غزة الذي خرج الناس في الضفة الغربية ومصر والأردن وتركيا وفي عواصم أوروبية، خرجوا للشوارع محتجين على القصف الجوي الذي يأتي على الأخضر واليابس، ويقض مضاجع الآمنين ويشيع الخوف والفزع بين الناس. أما (صواريخ القسام) فقريبة المدى عديمة التوجيه محدودة التأثير، تسقط في مناطق خالية ولا يقارن ضررها بما تلحقه هجمات الطائرات والمروحيات والصواريخ والآليات العسكرية المتطورة، فمن عليه الخوف ومن منه الخوف؟ ولكن يظل الأمر لا يقف عند هذا الحد، فلا بد من استراتيجية للفلسطينيين، فأين الدراسات وأين الخبرات، الناتجة عن الأزمات التي مرت بها القضية الفلسطينية والمحن والويلات التي عانى ويعاني منها الشعب الفلسطيني طوال السنين؟

وبالنسبة للعرب، فيبدو ألا أحد يريد أن يتحمل المسؤولية، هذه غزة محاصرة ولها منفذ غربي إلى مصر(رفح)، فلم لا يوظف هذا المنفذ لصالح أهل غزة المحاصرين منذ انسحاب إسرائيل من القطاع!! أما المواقف الأمريكية بالنسبة للقضية الفلسطينية من ناحية وما تتخذه إسرائيل من ناحية أخرى، فمعروفة عبر الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض، أما إدارة بوش فمن أكثر الإدارات صداقة لإسرائيل، فلطالما أعطتهم الضوء الأخضر في أحداث متعددة.

ولنكن واقعيين في مسألة حماس ونقول: لا يوجد في الأفق القريب حل وسط يرضي الطرفين، ومن وجهة نظر الإسرائيليين، هل توقف صواريخ حماس ضد البلدات، جنوب فلسطين المحتلة، ويعتبر حلاً وسطاً بالنسبة لحماس؟ فماذا عن المحاصرة للقطاع، وهي المسببة لخرق اتفاقية إطلاق النار أصلاً؟ هل سوف يرفع الحظر لتعود الحياة العادية (النسبية فقط) لسكان غزة؟ إن هذا التعقيد في الموضوع يشكل معضلة للإدارة الأمريكية الجديدة المقبلة، فماذا عساها أن تعمل ما لم يعمله من سبقها؟ وقد يقال: لربما أن قصف غزة واجتياحها يساعد على توحيد الفلسطينيين، وهذه أمنية قد لا تبرهنها الأيام القادمة.

دفعت إدارة بوش بالانتخابات في فلسطين، وبعدما فازت بها حماس لم تُمكّن من تسلم مهامها، ثم خلف الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، عام 2005م فراغاً أمنياً، وبعدما استحوذت حماس على السلطة في غزة، خارجة عن نطاق السلطة المركزية، بدأ الحصار الإسرائيلي على القطاع، للضغط على حماس؛ لتنضوي تحت السلطة المركزية الفلسطينية. أما دور الوساطة الأمريكية بين الفلسطينيين وإسرائيل، فلقد فقد مصداقيته وفاعليته لانحياز أمريكا الواضح مع إسرائيل.

والآن من المتوقع أن يتمخض عن الغزو البري للقطاع شطر الشريط الساحلي لغزة ثم محاصرة مدينة غزة نفسها، ثم ماذا بعد ذلك؟ احتلال من جديد للقطاع، أم اتفاق على وقف لإطلاق النار؟ ثم ماذا سيكون بعد ذلك؟ انسحاب من غزة، ورفع للحصار؟ وهنالك ما يتعلق بالنواحي السياسية في الضفة الغربية وتجديد فترة أخرى لمحمود عباس. أما في غزة فيريد القياديون في حماس شيئاً ويريد الناس أشياء أخرى. وفيما يختص بالناحية الإنسانية، إبان الحصار الإسرائيلي، تركت تلكم المساعدات للأمم المتحدة. الوضع في غزة أثناء الحصار والآن عصيب للغاية؛ لقد شح الغذاء وانعدم الدواء وانقطعت الكهرباء.

أما الضفة الغربية، ولأغراض أمنية، فلقد أغلقتها السلطات الإسرائيلية، وتتم مراقبة الهواتف المحمولة، وحظر الدخول إلى مدينة القدس.

وباختصار هنالك ثلاثة سيناريوهات، بالنسبة لهذه الأزمة: الاتفاق على وقف لإطلاق النار، أو استمرار للعمليات العسكرية، أو احتلال إسرائيلي لغزة، وهذا لحين تسلم الرئيس الأمريكي المنتخب أوباما سلطاته الدستورية. ومن المتوقع أن يختلف منحى أوباما عن كل من كلينتون وبوش فيما يتعلق بالتعامل مع المسألة الفلسطينية.

ونختم بالقول إنه فيما يتعلق بهذه القضية وغيرها من القضايا العربية، ما يقوم به العرب نحو قضاياهم يوضع مدخلاً ضمن استراتيجيات سواهم.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد