Al Jazirah NewsPaper Wednesday  07/01/2009 G Issue 13250
الاربعاء 10 محرم 1430   العدد  13250
حرب التجار على الادخار
محمد العنقري

 

قد يكون العنوان ساخناً، لكن هذا ما يقوله الواقع، فعندما تجد أن كل شيء أصبح رخيصاً بالأسواق الدولية لا بد أن تستغرب من بقاء الأسعار مرتفعة لدينا، بل بعضها ازداد سعيراً على جيوب المستهلكين، وفي كل يوم نسمع نفياً لانخفاض أي سلعة مستوردة، فنحن دولة مستهلكة مستوردة بامتياز، وإن كان ذلك ليس عيباً، خصوصاً بالسلع الغذائية التي لا يمكن نجاح زراعتها لدينا بفعل عوامل المناخ وغيره؛ فهذا لا يعني أن نستفيد من انخفاض الأسعار عالمياً؟ والغريب أن تجارنا يطلون علينا كل يوم لتكريس مبدأ ألا تراجع بالأسعار، وكأننا نعيش بكوكب آخر، فكيف للمستهلك أن يصدق بقاء أسعار السلع الغذائية وغيرها مرتفعة بينما تنخفض التعاملات عليها بالبورصات العالمية بنسب فاقت 30 بالمائة بالإضافة إلى أنها مدعومة من الحكومة، وهذا ينطبق على حليب الأطفال والأرز والكثير غيرها من مواد البناء غير الحديد والأسمنت اللذين هبطا قسريا ولا يمكن أن يبقيا مرتفعين لأن استهلاكهما وأسعارهما لا يمكن التحكم بها إلى حد ما، والأمر ينطبق على كل سلعة نستوردها، فتقارير الشركات العالمية المنتجة للسلع تقول إن الطلب انخفض لديها بأكثر من 30 بالمائة سواء بالإلكترونيات أو الآليات والمعدات. بعض هذه الشركات باتت على حافة الإفلاس. إن ما يحدث لا يوجد إلا تفسير واحد له: أن مخازن التجار تمتلئ بالسلع بشتى أنواعها وبأسعار مرتفعة، ويحتاجون وقتاً لتصريفها بأسعار لا تكبدهم خسائر، وبالتالي لن نرى أي انخفاض بالأسعار حالياً حتى ينتهي المخزون القديم، وقد يحتاج لأشهر عديدة وسوف يتم توزيع السلع بأسعار أرخص حسب فاتورة الاستيراد الجديدة، والسبب الرئيسي لهذه القدرة على التحكم بالسوق نابع من المنافسة الاحتكارية الموجودة بالسوق وعدم وجود توسع برخص الاستيراد ومنع الاحتكار منذ فترة بعيدة، ففتح المجال للاستيراد من قبل تجار جدد يأخذ وقتاً وتكاليف باهظة ببدايته ولا يظهر أثره الحقيقي فوراً؛ فالمملكة تستورد جُلّ احتياجاتها من الخارج فنستهلك قرابة مليون طن من الأرز ونستورد قرابة 270 ألف مركبة وآلاف الأطنان من الشاي والحليب وملايين الأجهزة الإلكترونية، ويبلغ الإنفاق الاستهلاكي أكثر من 170 مليار ريال بحسب دراسات، وارتفعت هذه الفاتورة كثيراً مع الأسعار الجديدة رغم أن حجم الاستيراد بقي مستقراً بشكل عام، ويبقى دور وزارة التجارة مهمشاً في ظل تحركات التجار بإحكام سيطرتهم على السوق، فلا أحد يشعر بدور فعّال على أرض الواقع، وإن كان لها بعض القرارات التي طبقت على تصدير الأسمنت والحديد فقط كسلعتين تنتجان بالمملكة بحجم كبير.

والظاهر للعيان أن التجار يرون في جيوب المستهلكين منقذاً لهم من ورطة ما تم استيراده بأسعار مرتفعة، وبالتالي هم يشلون قدرة المستهلكين على الادخار بشكل عام؛ ما يجعلهم عاجزين على تحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي من خلال استثمار مدخراتهم، خصوصا أن سوق المال انخفض بشدة وتكبدوا فيه خسائر ضخمة، وبالتالي لا يجدون ما يجعلهم يحسنون من مراكزهم الاستثمارية أو حتى الشراء مجدداً بأسعار رخيصة، فلا هم بالقادرين على الادخار ولا هم بالمستفيدين من الفرص، ويبقى الادخار أساس الاستثمار. وفي ألمانيا يبلغ حجم مدخرات المواطنين قرابة 2500 مليار دولار، والكثير من الدول تعلن أرقام مدخرات الناس لأنها مؤشر يفيد باتخاذ العديد من القرارات الاقتصادية، خصوصا بما يخص طرح الفرص الاستثمارية التي تنوع من النشاط الاقتصادي وتخلق فرص العمل وترفع الناتج الوطني.. فالمؤسسات التجارية قد تزيد وتنقص وتتغير لأسباب عديدة، ولكن يبقى المواطن هو المحرك الأساسي للاقتصاد بقياس قدرته الإنفاقية والادخارية على حد سواء، فمن الأولى بالرعاية والاهتمام؟!




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد