تعقيبا على ما كتبه الأستاذ محمد إبراهيم فايع يوم 19- 12-1429ه عبر صحيفة الجزيرة تحت عنوان (تحرير الميدان التربوي من طريقة الحفظ والتلقين) أشار فيه إلى اهتمام الدولة - أعزها الله - بالتعليم وطالب العلم، ومشيراً إلى مشروع خادم الحرمين الشريفين (تطوير) الذي رصد 9 مليارات من الريالات، وقال إن إصرار بعض المعلمين على أن يبقى رهن طريقة تعتمد على (الحفظ والتلقين) ووصفه لها بالطريقة السابقة التي لم تعد صالحة في عصرنا، وإن تمسك البعض من المعلمين بتلك الطريقة يعود إلى عدة أمور، منها عدم استعداد المعلم لتطوير ذاته وضعف إعداد المعلم سواء أثناء دراسته الجامعية أو عند نزوله ميدان التدريب، وغيرها، ثم تطرّق إلى كيفية معالجة مشكلة الحفظ والتلقين بقوله بتفعيل دور مدير المدرسة والتزام المشرف التربوي بمعايير محددة عند تنفيذ الزيارة وتفعيل أسلوب تبادل الزيارات بين المعلمين، إلى آخر ما تفضل به.. فحقيقة إن دولتنا - أعزها الله - تولي التعليم في بلادنا الغالية أهمية قصوى ولا شك، وتعتمد من أجل ذلك المليارات كل عام، وآخرها ذلك الاعتماد الضخم التسعة مليارات، ولكني أقول: لا يزال التعليم أعمى يتخبط الطريق إن لم يكن ضائعاً، ولو لم يكن كذلك لما سبقتنا الدول الفقيرة التي تشحذ مصروفاتها واكتفت حتى بالطب بأبنائها لتعليم الأبناء والبنات، والسبب أن التعليم في بلادنا يسير على خطط الخبراء المصريين القدماء الذين ساعدونا على نشر التعليم في وطننا في بدايته والركون إليها من قبل مسؤولي التعليم الحاليين، وعلى الرغم من تجاوز عمر التعليم المائة عام إلا أنه وفيما يبدو أنهم ما زالوا غير قادرين عن النهوض بالتعليم، ولا خطة أو نية لديهم للاكتفاء الذاتي بسبب الركون إلى تلك الأنظمة القديمة وقد أكل الدهر عليها وشرب، وإلا فهل يُعقل أن جامعة الملك سعود وجامعة الإمام حتى في العلوم الشرعية معظم مدرسيها من دول مجاورة؟ هل تعرف لماذا؟ لأن أية جامعة حينما تعلن عن معيدين بأي فرع من فروع التعليم تجد أن العدد المطلوب من خمسة إلى عشرة، ومن عشرة إلى عشرين، ومن ثم تجد الخريجين بعد ثلاث أو أربع سنوات بدرجة ماجستير أو دكتوراه لا يقابلون النمو في القبول، علماً بأن الجهة الوحيدة التي أعلنت عن عدد تجاوز ال450 معيدة في عام واحد هي كليات البنات منذ سنتين أو ثلاث مضت، ولمرتين، هكذا يجب أن يكون عدد المعيدين بكل جامعة، وإلا سنستمر نمد أيدينا استعانة بدول أخرى، ولا تنسى القبول أيضاً في كليات الطب التي تخرج أطباء بالقطارة على الرغم من أن وطننا بحاجة إلى أكثر من 40 ألف طبيب عام! أقول عام، نريدهم فقط لعلاج مرضى الزكام والإنفلونزا والتهاب اللوز والصداع فقط، وهلم جرا.. وهل يعقل أن معظم مدرسي الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة الإنجليزية في مختلف مراحل التعليم أجانب؟ بل نحارب المواطن كما فعلت وزارة التربية مع خريجي أكاديمية الفيصل حينما وضعت لقبولهم في تدريس مادة اللغة الإنجليزية شروطاً شبه مستحيلة (ماجستير في اللغة وأن ينطقها كلغته الأم!) لتدريس الصفوف الابتدائية ال4-5-6 في السنوات الحالية! ويا عجب من عظم تلك المادة، مجرد كلمات بسيطة يدرسها سائقون ونصف متعلمين في المدارس الأهلية، ووزراء التعليم يعرفون حقيقة ذلك.. هذا من جانب، ومن جانب آخر أقول للأستاذ الفايع: إن التدريس بطريقة التلقين والحفظ هي الطريقة السليمة لكثير من المواد سواء أكانت دينية أو غيرها؛ فبها يُحفظ كتاب الله وبها تُحفظ السنة النبوية من أحاديث وفقه حتى في الأدب لا بد من التلقين وحفظ القصائد والأشعار؛ فليس التلقين والحفظ بعيب؛ فأول من تعلّم بالتلقين والحفظ هو محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه حينما جاءه جبريل عليه السلام فقال له: اقْرَأْ. قال ما أنا بقارئ. فقال: اقْرَأْ. قال: ما أنا بقارئ. فقال له: اقْرَأْ. قال: ما أنا بقارئ. فقال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}، ولولا موهبة الحفظ والتلقين لربما حُرّف القرآن ولضاعت الكثير والكثير من أحاديث نبي الهدى، وأنت وأنا والكثير من الناس يعلم باختلاف الملكات لدى بني البشر، فهذا يحفظ ويحفظ، وهذا يفهم فيفهم، وفي النهاية نجد أن كلتا الطريقتين تلتقي وتجتمع في أحوال كثيرة؛ فلا بد لمن يحفظ أن يفهم، ولا بد لمن يفهم أن يحفظ أيضاً. أما أنك تتحامل على المعلمين وتتهمهم بالضعف وعدم الاهتمام بتطوير أنفسهم وتجديد معلوماتهم وضعف البرامج التي تُقدَّم لهم إن وُجدت وعدم متابعتهم من قِبل الإدارة والمشرفين التربويين، فلا أقرك على ذلك. وصحيح أن الجهود التي يبذلونها في التدريس متواضعة، ولكن السبب الأكبر في ذلك هو حشرهم في أضيق الزوايا بطريقة أو بأخرى؛ ما أدى إلى إصابتهم بالإحباط حينما أُعطي الطالب فرصة للتعالي على المدرس لدرجة الاحتقار، بل ضرب المعلم على أيدي الطلاب وأولياء الأمور، بل ومنع الضرب في المدارس خشية على الطلاب من الأمراض النفسية (ضرب التأديب)، ولولا الضرب ما تعلمنا وجلسنا على الكراسي الدوارة، وأنت واحد منهم؛ لذا أكرر القول بأن التعليم إن لم يكن ضائعاً فهو أعمى، وسيستمر على هذه الحال إن لم نغير الأفهام والعقول من خلال التطوير الفعلي لا التطوير على الورق، والله المستعان.
صالح العبد الرحمن التويجري