سعادة رئيس تحرير الجزيرة الأستاذ خالد المالك - سلّمه الله
في عدد يوم السبت 29-12-1429هـ نشرت الجزيرة مقالاً بعنوان (الأدب الإسلامي) للدكتور موسى بن عيسى العويس، أثار فيه الكاتب هذا الموضوع الذي اختلف حول (تسميته) عدد من النقّاد والأدباء منذ نشوئها وحتى الآن. وقد جاءت إثارته حول تكريس الاختلاف ونقل الصراع الأدبي إلى واقع عملي في الهيكل الإداري - كما ذكر -، ومثل ذلك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الجامعة العريقة الراسخة جذورها في منابت الأصالة، عندما ألحقت (منهج الأدب الإسلامي) بأحد أقسامها الأكاديمية - وهو يعني (قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي) - ويضيف قائلاً: (في حين حمل قسم آخر، في ذات الكلية (قسم الأدب)).
وهو بذلك يبيّن الآثار السلبية - في نظره - فيقول: (فكان ذلك بداية الانشطار والتصنيف الذي لم يقتصر على المضامين بل تعدى للشخصيات في أوساط الأكاديميين، وخارجهم، ووقع ما كان قد يخشاه المعارضون).
أكاد أجزم أنّ الدكتور موسى لا يختلف معي في وجود (الأدب الإسلامي) في أدبنا العربي، منذ بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحتى يومنا هذا، بل وجوده - أيضاً - في الآداب الأخرى. ولكن قد يكون اختلافه معي حول المصطلح، فللدكتور موسى وأمثاله أن يسموه ما شاؤوا، بشرط ألا يكون مصطلحهم فضفاضاً يُدخل فيه غيره مما يخالف مبادئ الإسلام وتعاليمه، وإن قالوا: إنّ اعترافنا بوجود هذا الأدب، لا يُلزمنا أن نتفق على مصطلح يميّزه عن غيره بل هو يندرج تحت اسم (الأدب العربي) أو أيّ أدب آخر - حسب اللغة التي كتب بها ذلك الأدب -؛ إن قالوا هذا فمن الظلم والحيف لهذا الأدب الذي شكّل ظاهرة أدبية كبيرة على امتداد عصورنا الأدبية؛ فكوّن بفكره أسفاراً ملأى بكنوز أدبية قيمة، أن يبقى دون مصطلح ينقيه من شوائب الفسق والمجون والزندقة التي لطخت كثيراً من النصوص الأدبية سواء في العصور السابقة أو العصر الحاضر.
أعلم أنّ الكاتب سيقول: ليست هذه فكرة المقال الرئيسة، فلماذا تتطرّق لها؟ فأقول: هذه توطئة، لا بد منها، وتتحمل جزءاً كبيراً من إيرادها؛ لأنك وضعت عنوان مقالك عاماً (الأدب الإسلامي).
أعود إلى الحديث عن اهتمام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ب(منهج الأدب الإسلامي)، واحتفائها به عندما ألحقته بقسم البلاغة والنقد، وهذه فكرة مقال الدكتور موسى - وفقه الله -، فأقول: إنّ صلة الأدب الإسلامي بالنقد صلة وثيقة؛ لأنّ القارئ أو الناقد عندما يحكم على نص أدبي سواء كان ذلك النص قصيدة أو رواية أو نحو ذلك، بأنه من الأدب الإسلامي أو مخالف له، فإنه بهذا الحكم يمارس عملية النقد؛ لذلك إلحاق (منهج الأدب الإسلامي) بقسم البلاغة والنقد، ولا تعارض في إلحاقه بهذا القسم، ووجود قسم آخر يحمل (قسم الأدب)؛ إذ إنّ لكل قسم مجال دراساته التي يُعنى بها.
أما زعم الدكتور موسى بأنّ هذا الاستقلال أدى إلى الانشطار والتصنيف الذي تعدّى المضامين الأدبية إلى الشخصيات في أوساط الأكاديميين، فإنّ وجود هذا (الاختلاف) لا (الانشطار)؛ ليس بسبب استقلالية (منهج الأدب الإسلامي) عن قسم الأدب وإنما من أجل اختلافهم حول المصطلح لا الأدب الإسلامي نفسه، ويوجد من أساتذة الأدب في جامعة الإمام من له عضوية في رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
وإن وُجد (تصنيفٌ أو انشطارٌ) فلا ينوء الأدب الإسلامي بحمل عبئهما؛ إذ ليس من أهداف تدريسه الدعوة إلى التصنيف والانشطار، فهذا المنهج يتناول النصوص الأدبية ولا يتعدّى ذلك إلى أصحاب النصوص إلا إذا كانوا ممن عرفوا بمخالفة تعاليم الإسلام ومبادئه في غالب إنتاجهم الأدبي، فإنّ مهمة الأدب الإسلامي توضيح موقفه منهم وبيان فساد نتاجهم للناس؛ لتمييز الحق من الباطل.
ويقول الكاتب: (نحن في هذه البلاد، ومنذ أن تمّ التوحيد على يد المغفور له الملك عبد العزيز والدولة قائمة في كافة شؤونها على الشريعة الإسلامية) ثم يقول: (ولسنا بحاجة إلى من يختلق مصطلحات واتجاهات قد لا يخدم مسار هذا المجتمع
وقد صدق الكاتب في هذا، ومن أجل قيام هذه الدولة على التوحيد؛ فإنّ احتضانها لمنهج الأدب الإسلامي، واحتواءها له ليس غريباً على هذه البلاد، وليس غريباً على جامعة إسلامية كجامعة الإمام أن تحتفي به؛ لأن من أهداف تدريس منهج الأدب الإسلامي في الجامعة تعزيزَ أهداف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أسلمة العلوم، والتأصيل لها ومن بينها الأدب والنقد.
ويقول أيضاً: (لا أحد يختلف أن هذا المصطلح مستورد ومجتلب ولد خارج رحم هذه البلاد في بلاد تتنازعها عدة مذاهب وتيارات وقوميات وربما حورب الإسلام أو ضيِّق عليه، وكل هذه الأسباب لا توجد لدينا بفضل الله، إذن لماذا نختلف ونرفع الرايات دونما عوامل تستدعي ذلك؟)، لا يُعدُّ نشوء (المصطلح) في غير بلادنا سبباً لاستئصاله منها؛ لأنّ الأدب الإسلامي عالمي لا يخص بلاداً دون أخرى، وليس يخفى على الدكتور موسى وهو الدارس للأدب - كما ذكر في مقاله - أنّ هناك عدداً من النصوص الأدبية الرديئة شكلاً ومضموناً ظهرت في الآونة الأخيرة سواء في الساحة الأدبية العربية أو المحلية، فتأتي هنا
أهمية تدريس منهج الأدب الإسلامي في الجامعة لأنّ من أهدافه:
1 - التصدي للاتجاهات الأدبية المنحرفة عن جادة الرشاد والهداية.
2 - حماية الأمة من تيارات الغزو الفكري.
3 - تأكيد قِيَم الدين الإسلامي في نفوس الطلاب بالحث على الربط بين الحكم النقدي الجمالي والحكم الخلقي الإسلامي في تقويم النصوص الأدبية.
ولقد عرف عدد من أدبائنا الكبار أهمية هذا الأدب، وأشادوا بوظيفته، وأورد هنا قولاً لأحدهم، وهو علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - حيث يقول في حوار أجريَ معه في العدد الخامس والعشرين من مجلة الأدب الإسلامي: (إن الدعوة إلى الأدب الإسلامي للوقوف أمام تيار المذاهب الدخيلة هي دعوة إلى ما يجب توجيه ناشئة الأمة بل كل أدبائها إليه).
أما دعوة الكاتب لجامعة الإمام ومطالبته إياها بإلغاء منهج الأدب الإسلامي؛ بحجة إثارته للتصنيف والانشطار، فإنّ هذه الحجة واهية، لأنّ إقرار تدريس هذا المنهج لم يكن مرتجلاً في حينه، ولم تظهر منه آثار سلبية، والجامعة أدرى بشؤونها وما يجري في أقسامها العلمية.
ولا يمكن أن تكون الجامعة في سياساتها التعليمية نائية عن سياسة الدولة - حرسها الله - التي تنبذ كل ما يدعو للفرقة والتشظي. فجامعة الإمام لا تجهل موقف حكومتنا - حفظها الله - من الأدب الإسلامي، ودورها في رعايتها والاهتمام به؛ انطلاقاً من خدمتها للإسلام وعلومه وآدابه، فقد سبق أن وجّه الأمير سلطان بن عبد العزيز - سلّمه الله - خطاباً لرابطة الأدب الإسلامي العالمية جاء فيه: (المملكة العربية السعودية وهي ذات الرسالة الخيِّرة، يسرها أن تكون منطلقاً للأدب الإسلامي ذي التأثير المحمود)، كما أنّ صدور الموافقة السامية الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - عندما كان وليّاً للعهد على افتتاح المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي في الرياض برهان جليٌ على موقف الدولة الداعم لهذا الأدب.
فليس منهج الأدب الإسلامي منهج غلو أو تكفير، بل منهج معتدل يُخضع الأدب لأحكام الإسلام وتعاليمه وفق ما ورد في الكتاب والسنّة، فما وافق مبادئ الإسلام فهو مقبول وما خالفها فمرفوض، وهذا المنهج - بحمد الله - يتوافق مع منهج الدولة - حماها الله - وسياستها الداخلية والخارجية.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
فهد بن علي العبودي-الدلم