Al Jazirah NewsPaper Sunday  08/02/2009 G Issue 13282
الأحد 13 صفر 1430   العدد  13282

(الجنون فنون)
عبدالله إبراهيم حمد البريدي

 

شبَّه رجلٌ مصريٌ ظريف أوضاعَ وأحوالَ العرب وتعاطيهم مع القضايا القديمة أو النازلة حديثا عليهم، شبههم بمن يُدخل شريطا ً فارغاً في مسجل، ثم يستمع له وهو في غاية الاستمتاع و(الروقان). وإذا انتهى الوجه الأول فإنه وبكل برود يبادر بقلب الشريط وإكمال استماعه للشريط! ثم في النهاية يقوم بإعادة جزء من الشريط أعجبه!! إن الاستماع لشريط فارغ جنون، وقلب هذا الشريط الفارغ لوجهه الثاني برود، وإعادة جزء (مُحَدد ) هي الغباء بعينه.أعجبني هذا التشبيه الظريف من المصري الأظرف، فأحببت أن أقلد ظرفه الفطري بظُرف مني مصطنع، فأشبِّهُ أحوال العرب وتعاملهم مع قضاياهم بكاتب يمسك قلمَ حبرٍ فاخر ولكنه خالٍ من الحبر، ويبدأ بالكتابة على ورقة ناصعة البياض!وحالما تمتلئ الورقة فإن هذا الكاتب (الفلتة ) المبدع يقلبها إلى الوجه الثاني ليُكمل إبداعه، فيعجبه ماكتب أيما إعجاب، فيبادر بعرض ونشر هذه الكتابة (المثيرة) بطريقة ما لأكبر عدد ممكن من الناس. فيتهافتون على قراءتها، ومن ثم التعليق عليها مابين مادح وقادح!فيرى البعض أنها من أسباب انحدار الأمم، ويرى آخرون أنها ترفع الهمم وتصنع جبابرةً من رمم!! فما الكتابة بقلم فارغ، واستحسان تلك الكتابة (الفارغة) إلا عين الجنون، وما الثقة التامة في عرضها للناس إلا البرود التام الذي يكاد يصل إلى درجة التجمد. وأما مَن قرأ هذه المساحة الفارغة (سمها رسالة أو مقالة إن شئت)، ونقَدها أيضاً فلا أرى أفضل من حجز غرف وعنابر فارهة فاخرة لهم في مستشفى خمس نجوم ونصف النجمة للأمراض العقلية.كنا نسمع هذه المقولة:(الجنون فنون)، وما كنا نعرف مغزاها حتى رأينا أحوال وأوضاع وأقوال وأفعال مجانين محسوبين على تيار ((العقلاء))، فعرفنا مغزاها جيدا ً!وكذلك قول أحد الحكماء: بين العقل والجنون شعرة، فكثير من المجانين يرون أنهم في الطرف الآخر (العقلاء) إما جهلا ً أو عمدا ً وترصدا ً!!وإن كثرت الأمثال والحِكم التي تصِفُ وتُصنِّفُ الجنونَ والمجانين، من فصيح الكلام ومن العامي، فإني أرى أن من أقواها قولهم: ((الجنون لايحتاج إلى رفع بيارق)) أي أعلام، ومعناه: أن المجنون لايدل على جنونه علم يرفعه، بل إن قوله وفعله يدلان عليه.

ومضة :

يقول إبراهيم بن ناصيف اليازجي:

لِكل الطير أَجنِحَةٌ وَريشٌ

وَلَكِن بَينها ما لا يَطيرُ

وَإِن الحَقَّ بَينَ الناسِ شمسٌ

عَلى أفُقِ العُقول لَها ظُهورُ

فَمِنهُ لأَكبُدِ الجهلاءِ نارٌ

وَمِنهُ لأعيُن العُقلاءِ نورُ

Al-boraidi@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد