ورود أسماء بعض العائدين من معتقل غوانتانامو ضمن قائمة الـ 85 مطلوباً التي أعلنتها الدالخية مؤخراً، شكل صدمة لكثير من المواطنين والمراقبين والمتابعين وذوي المطلوبين على وجه الخصوص، وكانت الصدمة عنيفة والدهشة غريبة بسبب ما قدمته الدولة لهؤلاء وأحسنت إليهم من باب حرصها على المواطنين ومسؤوليتها تجاه كافة أفراد المجتمع حتى لو كان البعض منهم مخطئين، وكان السؤال الذي يدور في أذهان كل من فوجئوا بوجود تلك الأسماء ضمن قائمة المطلوبين هو: ماذا يريدون؟.
المتابع لأسلوب معالجة المملكة لظاهرة الإرهاب التي ضربت العديد من بقاع الأرض يدرك ببصيرة كيف كان التعامل رفيعاً والتعامل حضارياً والحسم قوياً في ذات الوقت، إذ استخدمت الدولة ممثلة في وزارة الداخلية كل الوسائل التي تحفظ أمن المواطن والمقيم والوطن والمنشآت بمختلف أنواعها، لكنها حرصت على الحفاظ على ثروة الوطن البشرية، واستحدثت من الأساليب ما يفيد الراغبين في التخلي عن الأفكار الضالة والرجوع إلى جادة الطريق المستقيم السوي الذي يجعل الجميع يعيشون في أمن واستقرار وهناء، فانشأت مراكز الحوار، وبرامج المناصحة والتوعية الفكرية والدينية وأتاحت لجميع من ثبتت صلته بأعمال إرهابية من المغرر بهم فرصة العودة للحق والصواب.
وأوردت الأنباء أن أحد عشر من المطلوبين كانوا في معتقل غوانتانامو خضعوا للمناصحة والتهيئة الاجتماعية والنفسية والفكرية وتم منحهم معونات مالية ومساعدات مختلفة وتم تزويج بعضهم على نفقة وزارة الداخلية حرصاً منها على مستقبلهم ورحمة بأهلهم الذين تفاجأوا بتصرفاتهم، وكذلك توفير الحياة الكريمة لهم ولأسرهم وذلك بشراء قطع أراض لهم وإتاحة الفرصة لهم لممارسة بعض الأعمال والوظائف التي تؤمن لهم حياة كريمة، كما أنهم خضعوا لتقييمات نفسية وشرعية وأمنية قبل خروجهم حرصاً عليهم وأملاً في صلاح مستقبلهم، ثم بعد ذلك فوجئت أسرهم باختفائهم وعودتهم للضلال مرة أخرى.
وما يحير العقل حقيقة، هي قسوة قلوب بعضهم، فمثلاً أحدهم ترك مولوده البكر في بطن أمه، وكانت وزارة الداخلية قد تحملت نفقات زواجه وتأمين حياته، وما يستغرب له الكثيرون أن مثل هذا المطلوب لم يراع العهد الذي قطعه بعدم عودته إلى الضلال، ولم يراع شعور زوجته الحامل التي تنتظر أول مولود لها، كما أنه لم يدر بخلده نظرة الأهل الذين فرحوا بعودته من المعتقل الذي يتمنى كل من هم بداخله أن يخرج إلى الحياة ليعيش كريماً، بل أين إحسان الوطن إليه، وما موقف هؤلاء من الوطن الذي احتضنهم بعد عودتهم؟ لماذا هرب هؤلاء إلى خارج الوطن بعد كل هذه المواقف الإنسانية الكريمة من الدولة ومن الأهل ومن المجتمع ومن العلماء الذين بذلوا لهم النصح، لا شك أن هؤلاء لم يجدوا آذاناً صاغية ولا أرضاً خصبة لنمو أفكارهم الضالة، لذا فضلوا الهروب خارج الحدود فالمجتمع لن يقبل بأفكارهم ولا بتصرفاتهم، كما أن أجهزة الأمن لا تتهاون في أي تحرك لأنصار الفئة الضالة داخل حدود الوطن.
هذه انتكاسة حقيقية بعد كل ما قدمه الوطن لهؤلاء الذين أمنت الدولة عودتهم من المعقتل العالمي الشهير في غوانتانامو وقدمت لهم كل ما يسهم في استقرارهم واستقرار أسرهم وصحح العلماء أفكارهم ووضعهوهم أمام الحقائق، كان الأجدى والأجدر بهؤلاء أن يقابلوا إحسان الدولة لهم بالكف عن اتباع الفكر الضال، والاستفادة من الفرصة التي منحت لهم، وكذلك الاستفادة من المعونات التي قدمت لهم لناء حياءة سعيدة مستقرة مع أهلهم وذويهم بدلاً من ترك أسرهم في حالة استغراب وذهول والاختفاء عن الأنظار في تصرف غريب فيه نكران لجميل المجتمع والدولة وفي سلوك لا ينم عن الإنسانية مطلقاً.
إن ما قام به هؤلاء يدل دلالة واضحة على أنهم مصرون على الخطأ والسير في طريق الضلال والهلاك وأنهم لا يريدون الاستفادة من كل المواقف الإنسانية التي قابلتهم بها الدولة ممثلة في وزارة الداخلية، بل لم يراعوا أوضاع أهلهم وأسرهم الذين لم يتوقعوا منهم هذه الانتكاسة الكبيرة بعد الهداية والعودة بعد الغربة والغيبة.
الإنسان مهما كان مخطئاً وعلى غير هدى تأسره المواقف النبيلة، وكذلك يستوقفه الإحسان والتسامح الذي يجده من الآخرين، فكيف إذا كان هذا الإحسان من الدولة التي تحرص على صلاحه وعلى نفسيات أهله وعلى استقرار أسرته وعلى أهميته كعنصر بناء وليس عنصر هدم كما تحاول بعض الجهات الحاقدة توظيفه في هذا الاتجاه، لكن هؤلاء لم يكن لديهم استعداد لترك الخطأ والرجوع إلى الصواب وهذا ما دفعهم للهروب رغم المواقف النبيلة التي واجههم بها المجتمع، ولكن ماذا بعد هذا الهروب وهذه الانتكاسة؟ ماذا بعد نكران الجميل ومقابلة الإحسان بالعقوق والمضي في طريق الغي والضلال، لا شيء يمكن أن يجنيه هؤلاء غير التشرد والضياع وإهدار سنوات العمر لخدمة أهداف الشيطان، فالوطن محصن ومحفوظ برجاله لن يستطع أحد اختراق الحدود لعمل شيء من جرائمهم المعتادة، والمجتمع محصن ضد أفكارهم الفاسدة ولن يجدوا ثغرة للنفاذ من خلالها أبداً، والشباب لم يعد من السهل التغرير بهم بعد أن أدركوا عاقبة اتباع أفكار الضلاليين ونتائج سلوكياتهم الرعناء في كل مكان، ولكن لم يكن يتوقع أحد أن يدير هؤلاء ظهورهم لمن قدم لهم كل وسائل العيش الكريم وقبل كل ذلك الصفح عنهم ونصحهم لما فيه خير الدنيا والآخرة.