وبعد فالسفينة بكاملها حققت انتصاراً عاماً في هذه الجولة، لكن هذه الجولة حلقة في سلسلة صراع مع اليهود الذي لا ينتهي إلا بعد أن ينطق الحجر والشجر: يا مسلم، ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد. وهذا لا يعني أن يكون هناك جولات بعيدة الأمد تحمل هدوءاً وهدنة.. إلخ.
وأخيراً وليس آخراً: إن من الخير بيان محاذير وقع بعض منها مثل:
أ - الاستعجال، سواء كان في الأعمال أو في طلب النتائج، أو في الحكم على الأشياء، وهو بهذا يعتبر آفة من الآفات التي تقضي على الوصول إلى الأهداف المنشودة.
ب - الأحكام المطلقة العامة، مثل: (أين العلماء لم يعملوا شيئاً؟)، (ما هو دورنا أنقف عند الدعاء فحسب؟)، ونحوها، وهذه الأحكام من شأنها التحطيم، وإلغاء الأولوية الإيجابية، وعدم تصحيح الأخطاء الحقيقية، بالإضافة إلى ما فيها من الظلم والتعدي، واحتقار جهود تحتسب عند الله أنها عظيمة.
ج - الفتاوي الفردية غير المدللة شرعاً، والتي من شأنها أن تربك الصف، وتقسم الناس، وتزرع الفرقة، وتضر بآخرين.
د - التلاوم، ووضع اللوم على أشخاص، أو جهة ونحو ذلك وتحميله أوزار هذا الغزو، دون استصحاب كلمة حق في اليهود، وهذا من شأنه: تزكية اليهود، وهذا خطر جداً على معتقد الإنسان، كما أن من شأنه: إبعاد القضية عن واقعها الحقيقي، وتلبيس الحقائق، والدخول في دوائر لا تنتهي.
هـ- التهوين من شأن الجهود المبذولة أياً كان نوعها، ومثل من يرى هذا التهوين يبقى محلقاً في مثالية لا يصل إليها ولو بخياله، وهذا خطير أيضاً لوقوعه في جهل واضح في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان كثير من صحابته - رضوان الله عليهم - يسهمون بالمد والصاع وغيره، ويبارك ذلك عليه الصلاة والسلام.
و- رفع شأن مقالات المرجفين، أو التأثر بها وترديدها، وهذا فيه إشاعة للمنكر، وإخبات للحق، ومع أن هؤلاء المرجفين وجدوا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق - فلا يستغرب وجودهم في مثل هذه الأحوال.
ز- المطالبات لما يعلم أنه غير ممكن، والتحسر على عدم الاستجابة، وهذا من شأنه أن يحبط الأعمال الممكنة الكثيرة، فعلى الفرد والمؤسسة والجميعات والمجتمع أن يعملوا بالممكنة والمستطاع، و(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
ح - التوتر، والحنق، والضيق، وعدم الهدوء في النظر للأشياء، ولهذه القضية بالذات، والتحسر المقعد عن العمل، ولا يعني هذا عدم الحزن على ما حصل من كثرة الوفيات والجرحى، وإهلاك الموارد والمقدرات، بل الحزن فطرة فطرها الله تعالى في الخلق عند فقد محبوب، أو حصول مكروه، لكن أن يصل إلى اتخاذ مواقف مبنية على هذا التوتر فهذا بعيد عن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يتمتع بالهدوء والتفاؤل في أحلك الظروف.
ط - المبالغة في تكبير بعض المكتسبات دون وضعها في الميزان الحقيقي، أو الضد أيضاً وهو التهوين في تصغير بعض الخسائر كالذي يهون من شأن الموتى أو الجرحى ونحو ذلك، ومن الخير وضع الأشياء في موضعها، لأن هذا هو الذي يعطي السلامة للرؤية المستقبلية.
ي- حصر نصرة القضية في أمر واحد كمن قال أو يقول: (إذا لم يفتح المجال للجهاد فلا فائدة من ذلك)، ويلغي شأن الدعاء والجهود الإغاثية والطبية والإعلامية، والنصح، وغير ذلك فهذا من شأنه التضييق في الأحكام والمجالات وهو منهي عنه.
ك- ومن ذلك التوقف عن نصرة القضية عند توقف الحرب المعلنة، وهذا لاشك أنه من التخاذل الذي يقضي على القضية مع الأمد، وهو خلاف سنة الله تعالى في وجوب استمرار العمل الصالح.
ل- ومن أعظم المحاذير جرأة بعض الشباب على التعدي في المواقف كمن يقول: لا يجوز الدعاء لفرقة معينة، أو يلمح في كلامه بأن البعض من هناك كاليهود، والنصاى، أو أشد منهم، نعم هؤلاء قلة بل ندرة لكن بما أنه وقع فينبه عليه.
وغير ذلك من المحاذير التي يدركها العاقل فالحذر من الوقوع فيها وأمثالها، فإن عظم الأحداث قد تجعل أمام البصر والبصائر غشاوة.
ولعل من الختام لهذه الكلمات إحسانها، ومن الإحسان:
أ - التذكير بأهمية المراجعة، والتقويم، والمصارحة، والمكاشفة للنفس، ومن ثم التصحيح، وبناء الخطط المستقبلية في ضوء هذا التصحيح، لينتقل الناس إلى مواصلة البناء، والتربية، والإعداد الإيماني، وزرع القيم العظيمة، وهذا ليس للفلسطينيين فحسب، بل لعامة المسلمين في كل مكان.
ب - الإلحاح على الله - جل وعلا - بالدعاء الصادق للموتى بأن يحتسبهم - جل وعلا - شهداء عنده، وللجرحى، وللأيتام، والأرامل، وللضعفاء، والفقراء، وعامة المصابين، والمقاومين، وغيرهم، فإمام المسلمين برنامج طويل، فالواجب ألا يتوقف الدعاء والصدق فيه.
هذه كلمات وتأملات أعلم يقيناً أنها لا يغيب أكثرها عن الإخوة في فلسطين، وفي غير فلسطين ولكنها شيء مما يختلج في الصدر، وهي من الذكرى، والتناصح، (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، و(سيذكر من يخشى) مع شعور الكاتب وموقع شبكة السنة النبوية بالتقصير في هذه القضية وغيرها.
نسأل الله تعالى أن يثيب على الصواب، وأن يعفو عن الخطأ والزلل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعل هذا الحدث نصراً عظيماً لفلسطين خاصة، وللمسلمين عامة، وأن يدمر اليهود، وأعوانهم، ويرد كيدهم في نحورهم، وأن يجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأن يبطل خططهم، ويفشل مساعيهم، وأن يجعلهم عبرة للعالمين، ويفرق كلمتهم، وأن يعلي - سبحانه - دينه، وينصر من نصر دينه، وأن يرحم الموتى، ويحسن العزاء في ذويهم، ويرزقهم الصبر والاحتساب، وأن يشفي الجرحى والمرضى وأن ييسر أرزاقهم، وأقواتهم، ودواءهم، ومقدرات حياتهم، وأن يقوي ضعفهم، ويسخر لهم من هو أقوى منهم، وألا يكلهم إلى أنفسهم، ولا إلى أحد سواه طرفة عين، وأن يجعل العاقبة لهم، وأن يجزي خير الجزاء من دعا لهم، وعاونهم مادياً، ومعنوياً، وإعلامياً، وصحياً، وغيرها، حكومات، وشعوباً، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
المشرف العام على شبكة السنة النبوية