Al Jazirah NewsPaper Friday  13/02/2009 G Issue 13287
الجمعة 18 صفر 1430   العدد  13287
هل يُستَبعَد باروسو؟
بروكسل - غايلز ميريت

 

لقد حان الوقت كي يبدأ خوسيه مانويل باروسو في الترويج لنفسه. والحقيقة أن احتمالات إعادة تعيينه رئيساً للمفوضية الأوروبية تتوقف على الحجج التي سيسوقها.

حتى اندلاع الأزمة المالية بدا باروسو وكأنه على درجة كافية من الثقة في تعيينه لفترة ثانية مدتها خمس سنوات. والآن أصبح من الصعب على نحو متزايد أن نجد الدبلوماسيين وصنّاع القرار السياسي الذين قد يؤيدونه. ويقال إن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أُصيب بخيبة أمل بسبب أداء باروسو أثناء الانهيار المالي في الخريف الماضي، ويبدو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أيضاً قررت التزام الصمت بشأن مستقبل باروسو.

لا أحد يشك في أن باروسو يعيش موقفاً بالغ الحَرَج. فالمفوضية الأوروبية لا تتمتع إلا بقدر ضئيل من السلطات والصلاحيات التي قد تسمح لها بالتصدي للركود الذي بدأ ينتشر في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، إذ إن أغلب الصلاحيات في هذا السياق ترجع إلى البنك المركزي الأوروبي. ولكن المفوضية قادرة من خلال صوتها المسموع على حشد الناس، وبسبب صمت الناس يتحمل باروسو وزملاؤه المفوضون التقريع والتوبيخ.

إن الافتقار إلى الزعامة من جانب المفوضية على هذا النحو الظاهر وفي هذا الوقت الذي يشهد تفاقم الأزمة الاقتصادية هو في الحقيقة غيض من فيض. ولقد أسفرت الأحداث التي شهدتها الأشهر الأخيرة عن بلورة مخاوف أشد عمقاً.

حين قرر رؤساء حكومات الاتحاد الأوروبي منح باروسو، رئيس وزراء البرتغال السابق، منصبه الحالي في الاتحاد الأوروبي بدا وكأنه رجل نشط قادر على تنظيف الفوضى التي خلفها سلفه الإيطالي رومانو برودي. ولكن بمرور الوقت وقعت المفوضية تحت قيادة باروسو تحت نيران الانتقادات الحادة بسبب إحجامه عن المغامرة وبريقه المنطفئ. وحتى قبل أن تتجمع غيوم الركود كانت أصوات المشككين في أوروبا في ارتفاع، حيث حُمِّلَت المفوضية، سواء عن حق أو باطل، المسؤولية عن فشل الاتحاد الأوروبي في (مد يد المساعدة إلى المواطن الأوروبي).

يُقال إن منصب رئيس المفوضية من بين أصعب المناصب على مستوى العالم. فقد كانت هذه المؤسسة قريبة من الانحدار التدريجي البطيء طيلة ما يقرب من العشرين عاماً، وذلك بفضل نشوء البرلمان الأوروبي والنحو الذي قلصت به حكومات البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سلطاتها على المستوى الوطني في حين عززت من سلطاتها بحكم أنها المصدر الحقيقي للتشريع في الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من ذلك كان من المفترض أن يلعب رئيس المفوضية دور الواجهة العامة النشطة لأوروبا.

كانت ثقافة الحذر والخطوط الحمراء داخل المفوضية بمثابة القيد الذي امتنع الجميع في بروكسل عن التحدث بشأنه. وهذه ليست بالبنية التي قد تفضي إلى أي انقلاب في المسرح السياسي، إذ كان أغلب عمل المفوضية مقتصراً على صقل وإعادة صقل تنظيمات الاتحاد الأوروبي على نحو لا ينقطع. ولكن خلاصة القول هنا انه حين يتساءل الجميع (ما الذي تفعله أوروبا؟)، فإن ردود المفوضية تبدو غير وافية وهزيلة في أغلب الأحوال.

لأسباب غامضة حتى الآن، هناك قاعدة غير مكتوبة تقضي بأن رئيس المفوضية لابد أن يكون من بين صفوف رؤساء الوزراء الحاليين أو السابقين. ولقد أدى هذا على نحو ما إلى ارتفاع آمال باروسو في الحصول على فترة ولاية ثانية. وفيما يبدو أن أي مرشح معقول لم يظهر على الساحة ليتحداه.

ويرى العديد من المراقبين أن باروسو كان يتجنب الدخول في أي جدال طيلة عام 2008 حتى لا يجازف بالإساءة إلى أي حكومة ربما تكون ميالة إلى الاعتراض على إعادة تعيينه. والآن تحولت هذه السلبية الواضحة إلى واحدة من أعظم المشاكل التي يواجهها.

أظهرت رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي أثناء النصف الثاني من عام 2008 أن الزعامة النشطة من السمات التي تلقى قدراً عظيماً من التقدير بين عامة الجماهير الأوروبية. حتى ان نيكولا ساركوزي المحب للظهور كاد بلا أي مجهود تقريباً يحجب تماماً الدور الذي قام به باروسو في التعامل مع الأزمة الروسية الجورجية التي اندلعت في أغسطس - آب من العام الماضي، وما أعقب ذلك من ردود أفعال الاتحاد الأوروبي في التصدي لأزمة انهيار البنوك. والحقيقة أن المفوضية الأوروبية كانت على الهامش فيما يتصل بهاتين الأزمتين.

ولكن ماذا ينبغي أن يكون التصرف والحال هكذا؟ الحقيقة أن رئاسة فرنسا الناجحة للاتحاد الأوروبي كانت سبباً في تكثيف الشكوك بشأن فعالية المفوضية ورئيسها إلى الحد الذي جعل الأصوات في باريس تعلو في الإعراب عن المخاوف من أن يكون تعزيز سلطات الهيئة التنفيذية في بروكسل بصورة أو بأخرى أمراً ضرورياً حتى لا تتحول إلى مجرد سكرتارية. كانت حكومات الاتحاد الأوروبي تريد مفوضية تتسم بالمرونة، ولكن تكاليف هذه الرغبة الآن قد لا تقل عن وفاة (المنهج المجتمعي) الذي يحمي الاتحاد الأوروبي من الاحتكاكات الوطنية.

يتعين على باروسو أن يرد على كل هذه الشكوك. وإذا كان له أن يعمل على طمأنة زعماء الاتحاد الأوروبي على المستوى الوطني إلى جدارته واستحقاقه لفترة ولاية ثانية، فلا بد أن يؤكد أن ولايته الثانية سوف تحمل وعوداً جديدة. لا شك أنه بارع في إلقاء الخطب المتفائلة، ولكن هذا لن يكفي بأي حالٍ من الأحوال، فهو في حاجة ماسة إلى وضع خطة من نوع ما.حين وصل باروسو إلى بروكسل في عام 2004، كان يُسأل على نحو متكرر ما إذا كان يحمل لمستقبل أوروبا (فكرة عظيمة). وهذه المرة لا بد أن يأتي بمثل هذه الفكرة إن كان راغباً في إنقاذ نفسه.

غايلز ميريت الأمين العام لمركز أصدقاء أوروبا البحثي الذي يتخذ من بروكسل مقراً له، ورئيس تحرير المجلة السياسية (عالم أوروبا).

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.
www.project-syndicate.orm
خاص بالجزيرة



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد