Al Jazirah NewsPaper Wednesday  18/02/2009 G Issue 13292
الاربعاء 23 صفر 1430   العدد  13292
المسرح السعودي ذلك التائه الأعرج
د. عبدالمحسن محمد الرشود

 

سمعنا الكثير عما دار في كلية اليمامة، ومركز الملك فهد الثقافي (الإكليل) وغيرها من الأعمال المسرحية التي تواجه بالرفض، وبأنواع مختلفة من الاحتجاجات من قبل البعض على الرغم من أن هناك لجاناً عالجت موضوعات الاحتجاجات في المؤسسات الفكرية والفنية مثل الأندية الأدبية، والمسرح ومعارض الكتب.

وخلصت تلك اللجان إلى توصيات ملزمة التنفيذ.. إلا أن هؤلاء ما زالوا يمارسون هذا الأسلوب وعلى رؤوس الأشهاد دونما حياء من القائمين على تلك النشاطات.

ومما يثير الدهشة أن هؤلاء الأشخاص يعترضون على هذه المسرحيات وهي خالية من شروط المسرح الحقيقية وعناصره الرئيسية. وأجوائه الفكرية، وأعمدته التي يقف عليها.. ذلك أن هذه المسرحيات (مشاهد تمثيلية) لا تسمى مسرحاً بالمفهوم الفكري والفني الإبداعي.. وإنما هي جهود شخصية من الكاتب، والمخرج والمؤسسة التي تحتضن هذه الأعمال.. والواقع أن مسرحنا السعودي تائه وأعرج تائه من حيث ضياع الجهة المشرعنة للمسرح فهو ميدان لمجهود جمعية الثقافة والفنون، والرئاسة العامة لرعاية الشباب، ولوزارة الثقافة والإعلام، وبعض الجامعات التابعة لوزارة التعليم العالي، وللمدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم.. وهكذا ليس هناك جهة مسؤولة عن المسرح كما هو الحال في بعض الدول العربية والتي تجعل لها مسرحاً قومياً أو وطنياً يكون تابعاً لوزارة الثقافة.

ومنذ أن بدأ المسرح السعودي (مجازاً) عن طريق مسرح التلفزيون في طبيب بالمشعاب قبل أربعين عاماً تقريباً، وانتقاله إلى عهدة جمعية الثقافة والفنون بالرئاسة ومن ثم إلى وزارة الثقافة والإعلام عبر مسرحيات كثيرة مثل آخر المشوار، قطار الخط، تحت الكراسي، الأستاذ مكرر، وطني، سقوط الحساب، الكرمانية وغيرها من المسرحيات منذ ذلك الزمن والمسرح يفتقد إلى الهوية والبناء المسرحي، ذلك أن المسرح الذي لا تشارك به المرأة هو مسرح أعرج. ولا يمكن القبول به فكرياً وثقافياً وحضارياً.. ولست هنا أفرض على المجتمع قبول المسرح من عدمه فتلك قناعات يحددها المجتمع نفسه، والقرار السياسي الحكيم الذي لا يفرض على مجتمعه أمراً بالإكراه.. ولكن أضع وجهة نظري التي ترى أن المسرح الحقيقي يقوم - أساساً - على فكر مسرحي يتناول الحراك الاجتماعي والثقافي في مجتمع تشارك فيه جميع أطياف المجتمع بكل فئاته، ويقوم على التعددية الفكرية وقبول وجهة النظر الأخرى بكل حياد وحضارية.. ذلك المسرح - كما هو ديدن المسرح - الطليعي الذي ينحو باتجاه التغيير والنقد السياسي والثقافي والاجتماعي من خلال رؤية معاصرة لقراءة الحراك الاجتماعي والأحداث السياسية وهز وعي الإنسان بكل ما يجري حوله من متغيرات. وإدخاله بإقناع الحداثة الاجتماعية وما يتمخض عنها من أفكار وتناولات.. ولا يلتفت المسرح للماضي بقدر ما هو مستقبلي إلا فيما يتعلّق بمسرحيات أدبية تاريخية تراثية وتوظف توظيفاً فنياً يشرعن الفكر المطروح الجديد..

ولذا يطلق على المسرح (أبو الفنون) ذلك أنه يشتمل على جميع عناصر الإبداع الفني الإنساني من نص، وإخراج، وديكور، ونحت، وإذاعة وتلفزيون، وتصوير ومشاركة اجتماعية (وهذا مهم) حية يراها المبدع أمامه، تحدد مدى نجاحه (بالتصفيق) أو فشله بالصمت البارد. من قبل الحضور.. المسرح الحقيقي هو الذي يجعل الشباب بالذات يفكر في الإسقاطات الفكرية على الوضع الاجتماعي والثقافي ويشعل في داخله الرغبة في التفكير والمداولة مع النفس حول أشياء كثيرة.. ويأتي من ضمن أهميتها حب الوطن. ولعلنا نتذكر مسرحية (كأسك يا وطن) لدريد لحام عندما يختم المسرحية بأهازيج (لأكتب اسمك يا بلادي عالشمس اللي ما بتغيب).. ولعلنا نتذكر عادل إمام (في شاهد ما شافش حاجة) كلمته الشهيرة (دنا غلبان) ودائماً ما نرى في المسرح الحقيقي أهازيج غنائية وطنية عاطفية تهز أرجاء المسرح تنادي بحب الوطن ذلك الثابت لكل شريف وإنسان ومواطن حقيقي يبحث عن الحب والجمال والتسامح والبناء التنموي والثقافي والإنساني بصفة عامة.

المسرح هو مجسد ملاحم الوطن منذ بواكيره وحتى واقعه ونهاياته.. هو تصوير للحراك اليومي.. وعندما تشرعنه الدولة ويتعلق به المواطن ويصبح جزءاً من اهتماماته آن له أن يقتحم الحياة المدنية وتبدأ مؤسسات المجتمع المدني.. فهو ذلك الرابط الاجتماعي بين الشباب والكهول ومحرك الحياة الاجتماعية ولو تأملنا العمق الضارب في جذور الإنسان المصري من خلال حبه للمسرح فهو - على قلة ذات اليد - يدفع من جيبه قيمة تذكرة للمسرح القومي أو التجاري.

ولو لم يحقق المسرح - إذا انتشر - في كل أرجاء المدينة - إلا ابتعاد الشباب عن المخدرات، والتجمعات اللا أخلاقية - والإرهاب، والشرفات والتجول في الشوارع لكفى.. ناهيك عما يقدمه المسرح من فكر، وثقافة ووعي كبير بما يجري..

وحري بوزارة الثقافة والإعلام أن تؤسس لمسرح وطني متكامل وتضفي عليه الشرعية النظامية والسيادية، وتحميه من جهل هؤلاء الذين ينضبون من مقدمة موسيقية ويغادرون.. ماذا لو رأوا مسرحاً حقيقياً يحمل في جعبته القادم من الفكر والرؤية لما ينبغي أن يكون عليه الوعي الفكري للإنسان المعاصر المتجه إلى عالم الانفتاح والتماهي مع خطاب المستقبل الذي لا بد من محاكاته..

وعلى أية حال.. لست الذي يقرّر رغبة المجتمع.. ولربما قامت (الجزيرة) مشكورة بعمل استفتاء عام لقرائها كعينة لمجتمع البحث عشوائية تمثّل مناطق المملكة ومعرفة مدى رغبة السعوديين في (المسرح) مع إيضاح شروطه وملابساته وبنائه وأدواته لكيلا نفاجأ بمسرح تائه أعرج مجدداً..

فإذا كانت رغبة الأكثرية (وخصوصاً الشباب) فهم الأحق بالسؤال في وجوده فلا بأس إذا تواضعنا على ذلك.. أما ما يحدث الآن من الإعلان عن مسرحيات بعيدة كل البعد عن هم المواطن.. فذلك لن يجدي ولن يصل بنا إلى نتيجة..

ولن أكرر ما قيل من المجتمع السعودي في الخارج يبحث عن المسرحيات، وأن الفضائيات أخطر من المسرح، وأن رقابة المسرح من قبل السلطة تقلّل من خطورته ولن أكرر ما قيل من فوائده.. بل أقول تساءلوا لماذا مجتمعنا لا يعني أهمية المشاركة الجماعية، التطوع، بناء المجتمع المدني، ولا يشارك في الانتخابات البلدية، ولا يعتمد على نفسه، ولا يتعرف على الجمعيات التعاونية ولا يشارك في اتخاذ القرار المحلي في مناطقه، ومتواكل، وغير مبال.. ويهرب بعيدا عن الأنظار!! ويشعر بالغربة الاجتماعية.. أقول المسرح من أهم الأقنية لتنوير الإنسان السعودي واطلاعه على حقائق الأمور والأبعاد الثقافية لمجتمع عولمي يكاد يكون امتداداً لبعضه الآخر.. بل محفز له لإقباله على القراءة والعمق الفكري وإحياء ملكة النقد والتحليل ومماحكة الأشياء وإعادة قراءتها ومراجعتها. ومن ثم التفكير في مستقبل قادم.

آمل أن لا تظل مسألة المسرح عائمة.. أربعون عاماً مضت ونحن نكرر المسرح السعودي.. وما لدينا ليس مسرحاً بالمفهوم الفني الفكري الثقافي لحقيقة المسرح وعلى أية حال المجتمع يقرّر.. وأختم بمقولة إذا كنا نجحنا عربياً وخليجياً في مسألة الغناء فلأن عناصر الغناء توفرت كلمات وصوتاً وألحاناً فعرفنا الناس بطلال ومحمد وراشد وعبد المجيد.. ونجحنا في الدراما وعرفنا الناس من خلال ناصر وعبد الله والفايز وهكذا.. إنما المسرح شيء آخر لم تتوفر عناصره إلى الآن.. أعطوني مسرحياً واحداً يعرف على مستوى عربي أو مسرحية واحدة خلال 40 عاماً.. القرار لكم.. وتحياتي..




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد