قرأت منذ فترة مقالاً لمعالي الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد الرشيد في بعضه ترجمة عظيمة دقيقة عن الإنجليزية لفكرة بنك الحياة.. وكانت الترجمة موفقة بحق.. حركت مشاعري فكتبت هذه القصيدة التي أسعد بقراءتكم شخصياً لها.. صغت فيها كل ما يمكن أن يكون في حياتنا مشابهاً للحساب في المصارف.. وختامها ما يخصنا نحن المسلمين بأكبر أرباح، وأوسع أرصدة.. تفتحها الجزيرة لكل قرائها.
|
لكم القراء أدعو الله بحياة مملوءة بأكبر الأرصدة التي هي الإيمان وخلو البال، وسعادة النفس، والأبناء، والرزق الحلال الطيب ودائماً لكم تحياتي واحترامي.
|
فتحُ الحسابِ بلحظةِ الميلادِ |
والموتُ إغلاقٌ مدى الآبادِ |
وحسابُنا الجاري بطول بقائنا |
القلبُ يخفقُ بالحياةِ ينادي |
والروحُ أصلُ رصيدنا، هو ثابتٌ |
من غيرها الكل ذرُّ رمادِ |
وحسابُنا الجاري هو الفكرُ الذي |
إعمالهُ يعطي جديدَ رفادِ |
أخلاقنا هي أسهم بتصاعدٍ |
قدرٌ لها في فطنةٍ وسكادِ |
خلقٌ نبيلٌ أنت أعظمُ فائزٍ |
أرباحُها إذ ذاهبٌ أو غادِ |
والأصدقاءُ المخلصون هم لنا |
خيرُ احتياطي بغيرِ نفادِ |
قيمٌ، سلوكٌ والفضائل إنها |
نعم اكتسابٌ للرصيدِ زيادِ |
أرباحُ أرصدةٍ تزيدُ تضاعفاً |
صبرٌ تحملُنا لكلِّ شدادِ |
والحب أعظمُ ذي الفوائدِ كلها |
الحب كنزٌ فوق كلِّ حصادِ |
أما الجوائزُ جُلها وعظيمُها |
أبناؤنا هم فلذةُ الأكبادِ |
لهمُ الحسابُ نزيدُه لرفاههم |
من غيرهم نحيا حياة سوادِ |
لكن هناكَ الربحُ يكثر عندما |
تحصيل معرفةٍ، ونيل رشادِ |
هذا الرصيدُ الثرُّ يملأُ دفتري |
الخبرةُ الكبرى لنفع بلادي |
من غيرِ نفعٍ للعبادِ كأنّنا |
شوكٌ بلا ثمرٍ، وصلدُ جمادِ |
قد يطلبنكم المحاسبُ عاتباً |
إجحافَ نظرَتكم بسوءِ عنادِ |
وهناك أمرٌ للرصيد مدمِّرٌ |
قلقٌ يفتِّتُ عاتي الأطوادِ |
أما الزيادَةُ دونَ حد إنها |
هذا العطاءُ بما تجودُ أيادي |
الجودُ - ليس كما نخافُ بمنقصٍ |
مالاً يهدِّدُ زائدَ الأعدادِ |
أرباحُنا الكبرى مساعدةٌ لنا |
للآخرين برغبَةٍ ووِدادِ |
أما الخسائرُ لا مثيلَ لها إذا |
فُقِدَ احترامُ النفس للأفرادِ |
يا سوءَ أرصدةٍ إذا ما شابَها |
حبٌّ لذاتك مسلكُ الحسَّادِ |
هذا الرصيدُ مضاعفٌ متزايدٌ |
بخلوِّ بالكَ، فيه طيبُ رُقادِ |
أما أشدُّ المهلكينَ حياتَنا |
الخوفُ، قاتلُ للحياةِ معادِ |
وتلمُّسُ الأعذارِ إفلاس، به |
الكلُّ يهربُ خشيةَ الإجهادِ |
وأصولُ أموالٍ تضيعُ بغيبَةٍ |
ونميمةٍ، وتصيبُها بكسادِ |
إذ ضاعت الآمالُ أنتَ مبدِّدُ |
كلَّ الرصيدِ، إلى سريع بدادِ |
أما الخُسارةُ لا مثيلَ فجيعةٌ |
لو ضاعَ إيمان بشرِّ فسادِ |
هذي حياتي إذ بمصرفِنا غدتْ |
يوماً رصيداً ساعةَ الميلادِ |
*** |
لكنَّ أعمالاً هناكَ عظيمة |
تُثري الرصيد، تزيدُ في الإسعادِ |
سجِّلْ بدفتركَ الكبير فوائداً |
فوقَ الحياة تفوقُ كلّ سدادِ |
اقرأ كتابَ الله تربحْ غانماً |
كل المصارفِ دونَ أي نفادِ |
هذي ملايينُ الحروفِ ثوابُها |
عشراتُ ملياراتِ في التعدادِ |
سبّحْ بحمدِ الله دوماً، إنهُ |
أرباحُ دنيانَا، وخيرُ الزَّادِ |
اسجدْ لربكَ سجدةً بخُشُوعها |
آلافُ آلافٍ وطيبٌ حصادِ |
ما قدّمتهُ يداكَ ذُخرٌ زاخِرٌ |
تلقى الرصيدَ مضاعفاً بزيادِ |
إن الحياة لساعةٌ مقضيةٌ |
وهناكَ خلدٌ دائمُ الأمادِ |
جناتُ ربي فوقَ كل مصارفٍ |
فوق الحياةِ، فكنْ على استعدادِ |
ولها نقدِّمُ كل خيرٍ إنها |
دارُ الجزاءِ، وملتقى العُبّادِ |
فيها الحياة حقيقةٌ أبديةٌ |
أما هنا دنيا وقربُ رقادِ |
إذ ما ركعتَ فقد أضفت زيادةً |
لرصيدك الأبدي، للإيرادِ |
ودُعاؤكَ الرحمنُ فرطُ مكاسبٍ |
تسجيلها بالعفو، لا بمدادِ |
وحسابُك اليومي كل نوافل |
أكثر، وزد منها بغير زهادِ |
فلربَّما تسبيحةٌ أو ركعَةٌ |
فيها النجاةُ، وخير يومِ معادِ |
*** |
هذي حياتي في الحقيقةِ إنني |
أحيا، فلستُ بصاحبِ الأعدادِ |
|