يقول الكاتب الأمريكي ويندل هولمز: ((إن الإنسان - كل إنسان - إنما هو ثلاثة أشخاص في شخص واحد: الإنسان كما خلقه الله، والإنسان كما يراه الناس، والإنسان كما يرى هو نفسه)).
مرت عبارة هذا الكاتب علي منذ أكثر من عقدين، وكان فهمي لها يتغير حسب تجدد خبراتي وتنوع وتجدد علاقاتي الاجتماعية والعملية وغيرها، ووسائل تلك الخبرات والعلاقات.
مرة أحللها من حيث العلاقة بين الأنواع الثلاثة السالفة الذكر، فأرى أن الإنسان كما خلقه الله علاقته قوية جداً بالإنسان كما يرى هو نفسه، وعلاقته ضعيفة جداً أو معدومة بالإنسان كما يراه الناس؛ لأن الإنسان ليس شكلاً خارجياً (هيئة) فقط، بل هو مشاعر وأحاسيس، وفوق ذلك هناك النية أو السريرة، التي لا يعلمها إلا الله خالقه.
ومرة فهمتها من ناحية دينية، وهنا لقيت تناسقاً رائعاً بين الأصناف الثلاثة؛ لأن الإنسان الصالح كما خلقه الله إنساناً صالحاً، حسن الخُلق، والمتوافق خارجياً وداخلياً، الذي يرى الحلال حلالاً والحرام حراماً، يراه كل الناس إنساناً سوياً بعيداً عن المساوئ قريباً من المحاسن، ويرتاحون له ويطمئنون في كل تعاملاتهم معه ويحبونه، وكذلك هو مطمئن النفس، مرتاح البال، لا يحمل همّاً ولا غمّاً، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}. عكس هذا الإنسان هو الإنسان غير السوي؛ فالكل ينفر منه، كما أنه هو ينفر من نفسه، وتراه مضطرباً، وكل من حوله يضطرب لمجرد الاقتراب منه، فكيف بالتعامل معه؟ {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَه مَعِيشَة ضَنكًا}.
ومرة فهمت هذه العبارة من حيث تعامل الإنسان السوي النزيه مع الآخرين؛ فهناك إنسان طبيعي يفعل ما يمليه عقله وضميره، ويحقق رغباته حسب قدراته، فهذا هو الإنسان كما خلقه الله. وقد يضطر هذا المرء إلى تقمص شخصية مغايرة ومخالفة لفطرته من حيث اللباس أحياناً أو من حيث أسلوب حديثه ولهجته أحياناً أخرى، أو من حيث تقديم تنازلات في أمور ليست جوهرية مُسايراً مَن حوله، لا لأجل التمويه والخداع بل ليتكيف مع مَن حوله، تكيفاً فقط، وبالتالي يقبله ويتقبله المحيطون به تبعاً لذلك. وهذا لا شك يرى نفسه بهذه الحالة قد خالف فطرته وسجيته، ولا يقبل هذه الحال على الدوام، وسرعان ما يرجع إلى طبيعته (كما يرى هو نفسه)!!
ومما فهمته من هذه النظرية هو أنها تصف الإنسان اللص، الإنسان المجرم، الذي تأصلت اللصوصية في روحه، وتأصل الإجرام فيه؛ فهو مجرم يَعلمُ الله إجرامَه وسيجازيه عليه عاجلاً أو آجلاً. وفي الوقت نفسه لا يأبه بمن حوله، ولا بمن هو بعيد عنه، ولا يقيم اعتباراً لرأي الناس فيه، بل يرى في إجرامه ولصوصيته ذكاءً وشجاعة، وهذا هو (رأيه بنفسه)! ولكن أجمل ما فهمته حول تلك العبارة (النظرية): إن الإنسان يخلقه الله كريم النفس وعزيزها، ذا إباء وشمم، وقد يصاحب ذلك فاقة وقلة ذات يد، فيكون رث الثياب، مُهملاً عند القوم، ولكنه لا يأكل ولا يشرب إلا حلالاً، قريب من الطاعات بعيد عن المعاصي. وقد يرى نفسه دون مَن حوله مكانة وقدراً، ولكن شأنه عند الله عظيم: ((رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)). ضد هذا مَن يسعى في الأرض فساداً، ويرى الناسُ الفسادَ والإفسادَ في قوله وعمله، ولكنه يرى نفسَه مُصلَحاً مَهدياً ومُصلِحاً هادياً !! {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}.
Al-boraidi@hotmail.com