Al Jazirah NewsPaper Wednesday  11/03/2009 G Issue 13313
الاربعاء 14 ربيع الأول 1430   العدد  13313
وداعاً زوجتي الغالية
منصور بن إبراهيم بن حمد المالك

 

الحمد لله على قضائه وقدره، القائل في محكم كتابه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).

بعد معاناة طويلة مع المرض وفي الساعة العاشرة من مساء يوم الخميس ليلة الجمعة المباركة الموافق 8-3-1430هـ كان موعد الوداع والفراق، حيث فجعنا بنبأ وفاة زوجتي الغالية (زينب بنت محمد بن عبدالله المالك)، غفر الله لها ورحمها وجعل الجنة مأواها ومسكنها. إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك لمحزونون، وعلى قضاء الله صابرون.

نشأت وتربت -رحمها الله- في بيئة صالحة وبين أبوين صالحين ومع أسرة عريقة كريمة في أخلاقها وفية في تواصلها محبة لبعضها، وامتازت -رحمها الله- بالخلق الرفيع، وبصلة الرحم، ومحبة الأهل والجيران، إذ كانت -رحمها الله- ملازمة لبيتها تستقبل ضيوفها وزوارها صباح ومساء كل يوم بالبهجة والسعادة، تكرمهم وتستقصي عن أحوالهم وعن أولادهم، وتحاول أن تظهر أمام الجميع أنها بصحة جيدة كي لا تؤثر حالتها على أحد منهم. نسأل الله أن يرعاها بعنايته وأن يرفع درجاتها ويفسح لها في قبرها لما قدمته من حنان ومودة، وأن يجعل كل ما ألمَّ بها من مرض في الدنيا تطهيراً وتكفيراً. اللهم آمين.

آه يا أم خالد، يا لهول الفاجعة، ويا لعظم المصيبة، ويا لألم الصدمة وعذاب الوحدة بعد الفراق، ويا للحسرة والحزن الشديد، كلما تذكرتك أو تخيلتك في النهار أحزان وآهات كثيرة، وفي الليل وما أطوله قلق ومعاناة طويلة.

إن الحزن والأعاصير تجتاح قلبي ومشاعري، فالخطب جلل، والمصاب كبير والفراق صعب وطويل. وهذه حال الدنيا لا تدوم لأحد، يتقلب الإنسان بين أفراحها وأحزانها، يبتلي الله بها عباده امتحاناً لهم على صبرهم، فهنيئاً للصابرين على مصابهم، قال سبحانه وتعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). وإننا -إن شاء الله- من المؤمنين الصابرين المحتسبين، وكلنا مدركون بأن الموت حق وأن هذه سنة الله في خَلقه، طريق سنسلكه جميعاً، فلله ما أعطى ولله ما أخذ.

كانت -رحمها الله- نموذجاً فذاً للإنسانية، زوجة صالحة ووفية، كريمة الأخلاق، ذات صفات عالية، عاشت معي خمسة وخمسين عاماً في عشرة زوجية مثالية ملؤها المحبة والسعادة، لم تكدر خاطري أو تهضم شيئاً من حقوقي بل كانت محبة ووفية في كل شيء، إنها الشمعة التي تضيء بيتي وتنير طريقي، تساعدني للوصول إلى الهدف الذي أريده وتشاركني الرأي، تفرح لأفراحي وتحزن لأحزاني. ويعلم الله ما أصابني من الدهشة وما أعانيه من الآلام بعد فراقها، فأنا أعيش في عزلة وحيرة من أمري، ماذا سأعمل وكيف سيكون حياتنا بعدها، أروح وأغدو وخيالها لا يفارقني، وكلما خطوت متنقلاً داخل المنزل وبين جوانبه من غرفة إلى غرفة أو إلى مكان جلوسها في صدر المنزل أتخيلها أمامي فوق كرسيها الطبي الذي لازمته واعتادت الجلوس عليه ليلها ونهارها، فهي تقضي كل وقتها على هذا الكرسي مستقبلة القبلة تصلي وتناجي ربها أن يمنَّ عليها بالعفو والشفاء، صابرة محتسبة لما آل إليه وضعها. إنها بالفعل زوجة مثالية وأم حنون لأولادها وبناتها الذين بكوها بشدة وحرارة، فهي معنا في قلوبنا وفي أذهاننا، ولقد خسرنا بفقدها أغلى ما لدينا.

نسأل الله سبحانه أن يعفو عنها وأن يجمعنا بها - إن شاء الله - في جنات النعيم، أحمد الله على ما قدر، وهو سبحانه يعلم أنني قد أديت الأمانة وعملت كل ما في وسعي واستطاعتي لإسعادها ورد بعض من مكارمها ووفائها معنا إلى أن وافاها الأجل المحتوم.

ولقد تأثرت كثيراً حينما نقل إليَّ خبر وفاتها، فقد نزل الخبر كالصاعقة عليَّ وعلى أولادي وعلى جميع أفراد الأسرة وكل محبيها، فالجميع بكوها بحرارة ومرارة، فالفراق لمثلها صعب وشديد، فهي غالية لدى الجميع ومحبتها راسخة في القلوب.

أم خالد: إنك وإن كنت قد غادرت هذه الدنيا إلى غير رجعة فستبقين خالدة في قلوبنا وعالقة في أذهاننا ونذكرك دوماً بالخير والرضا وندعو لك بجزيل المثوبة إلى أن نلقاك -إن شاء الله- في مستقر رحمته ودار كرامته، ونسأله سبحانه أن يمُنَّ بالصبر والسلوان عليَّ وعلى أولادي وعلى إخوتك وكافة أفراد الأسرة الذين هزتهم الفاجعة بوفاتك.

العزاء لنفسي وأولادي وإخوتها ولجميع أفراد الأسرة، وأوصيهم بالصبر والاحتساب والدعاء لها بالرحمة والمغفرة، ففي ذلك مثوبة وأجر عظيم.

أشكر وأقدر كلَّ من وقف معنا من أصحاب السمو الملكي أثناء علاجها خارج المملكة، كما أشكر إخوتها وأقاربها لمواقفهم واهتمامهم بأمرها، فقد كانوا دوماً معنا طيلة سنوات مرضها وأثناء علاجها داخل المملكة وخارجها.

ونقول للجميع جزاكم الله خيراً ولا أراكم مكروهاً في عزيز لديكم.. والشكر والتقدير لكلِّ من واسانا وعزانا بوفاتها.. رحمها الله رحمة واسعة. و(إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد