Al Jazirah NewsPaper Monday  16/03/2009 G Issue 13318
الأثنين 19 ربيع الأول 1430   العدد  13318
جائزة خادم الحرمين للترجمة أمل جديد في مستقبل العرب العلمي

 

«الجزيرة» - الرياض

أصبحت جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للترجمة قمة الهرم في دعم حركة الترجمة في العالم العربي، حيث تخدم الإنسانية جمعاء بنقل العلوم والمعارف من وإلى اللغة العربية، بل وفتحت المجال واسعاً أمام المترجمين حول العالم للتنافس في إطارها لخدمة المجتمع الإنساني بأسره.

واستطاعت أن تكون القاسم المشترك بين كل المهتمين بالترجمة من كل جنسيات وشعوب الأرض وحققت المعادلة الصعبة بالتفاف الجميع حولها في إطار من التنافسية الشريفة، وفق معايير دولية وحيادية معتمدة سلفاً فأفرزت أفضل المخرجات، وانتهى عرس الجائزة في دورتها الثانية بتسليم الجوائز لخمسة من أفضل المترجمين حول العالم من جنسيات مختلفة تماماً، فأحدهم سوري والآخر كوري والثالث سعوديان أحدهما امرأة والرابع أردني والخامس سوداني يعيش بماليزيا، إضافة إلى المكرمين الذين خدموا الترجمة أعواماً طوالاً من الجنسيتين الفلسطينية والألمانية مختلفون كلهم في الجنس والدين والعرق واللغة لا يجمعهم سوى رابط واحد هو فن الترجمة وجائزة خادم الحرمين الشريفين. في البداية يؤكد الدكتور منصور بن عبدالرحمن بن عسكر أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض أن الجائزة تسهم في تحريك المياه الراكدة التي يعاني منها العالم العربي، فلقد كشفت تقارير هيئة اليونسكو أن اليونان تترجم ضعف ما يترجم العالم العربي بينما تترجم إسبانيا (5) أضعاف المترجم عربياً، لذا فإن هذه الجائزة الرائدة ستسهم في التنمية والتغيير الاجتماعي والاقتصادي والتربوي والتوعوي والثقافي، وتساعد في خلق التحولات داخل المجتمعات المنغلقة وتخرجها من عزلتها وتقوقعها حول ذاتها. وأشار الدكتور ابن عسكر إلى أننا تعلمنا من دروس التاريخ عبر العصور أن الترجمة كانت ولا تزال الوسيلة الأساسية في التفاعل الثقافي مع الآخر لاكتساب المعرفة منه وهي قاعدة انطلاق النهضات الحضارية الكبرى، كما حدث عندما سيطر البابليون علي بلاد سومر ووجدوا أن السومريين أصحاب حضارة عظمي فراحوا يعلمون أولادهم العلوم السومرية وحرروا لهم قوائم باللغتين البابلية والسومرية والتي تعتبر بداية المعاجم الثنائية اللغة والتي ظلت إلى يومنا هذا أداة رئيسة في الترجمة. وأضاف إن الإسلام انتشر بعد حركة الفتوحات عن طريق الاحتكاك الحضاري والحركة التجارية والتعامل مع المسلمين، وهناك الكثيرون ممن أسلموا عندما قرأوا عن الدين الإسلامي وتاريخه في الكتب المترجمة إلى لغاتهم الأصلية وكان ذلك قبل احتكاكهم مباشرة مع المسلمين.

لذا تعتبر جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة من وإلى اللغة العربية إحدى أهم الوسائل الفاعلة في تنشيط حركة الترجمة والتي لا يخفى دورها التي تلعبه على أحد، حيث تعد البوابة الرئيسية التي تعبر من خلالها الذات إلى الآخر أو تستقبل عبرها الآخر في حراك ثقافي ينعش الحضارة الإنسانية التي تقوم على التواصل والتلاحم الفكري.

وتظل تقبع على قمة الهرم في دعم حركة الترجمة في العالم العربي والتي نتطلع من ورائها إلى تحقيق الأهداف النبيلة من خلال التعرف على معطيات الشعوب الأخرى، في جميع المجالات التي تخدم الإنسانية وتخدم المجتمع السعودي في الاهتمام بالترجمة وتفتح المجال واسعاً أمام أبنائنا الذين درسوا في الخارج ليترجموا لنا بعض المعارف والكتب التي استفادوا منها في رحلاتهم العلمية والتي لا شك ستفيد العالم بأسرة.

وثمن الدكتور عبدالعزيز بن إبراهيم الفقيه الأستاذ بكلية اللغات والترجمة بجامعة الملك خالد الدور التاريخي للعرب في حركة الترجمة الإنسانية، حيث كانوا الأكثر اهتماماً بها مما ساعد على الثراء العلمي والاقتصادي ومد الجسور الإنسانية مع من حولهم من شعوب حيث تبادلوا المعارف المختلفة مع تلك الشعوب ذات الألسن المتباينة. واستفاد العرب من التراكم المعرفي في مختلف فنون الطب والفلك والكيمياء والرياضيات والفلسفة، حتى كان هارون الرشيد يمنح المترجم وزن كتابه المترجم ذهباً وتبعه في ذلك ابنه المأمون، وفي العصور الحديثة انعكست الآية وبنى الغربيون حضارتهم الحديثة وتقدمهم العلمي وتراثهم المعرفي على العلوم العربية التي طورها علماء المسلمين في عصورهم الذهبية عن طريق حركة الترجمة وأعرب الفقيه عن أن هذه الجائزة ذات مكانة خاصة في المجال الإنساني، حيث تسهم إسهاماً مباشراً في نقل الصورة الحقيقة لحضارتنا المجيدة إلى شعوب العالم أجمع وبصوت واضح ومسموع وبأسلوب جلي ومفهوم، خاصة أن حركة الاستشراق والترجمة جاءت منقوصة ومبهمة حيث لم يدرك الكثير من المستشرقين الثقافة العربية وقيمها العالية النبيلة القائمة على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف. لذا فإن الجائزة تعد الوسيلة الأكثر ضماناً لنا حيث نمسك بزمام المبادرة في نقل المعرفة وتبادلها حسب المعايير الصحيحة والأمانة العلمية. وأشار الدكتور الفقية إلى أن جائزة خادم الحرمين الشريفين تحقق هدفاً سامياً آخر وهو نقل المعرفة المفيدة والمتوافقة مع معطياتنا الحضارية من الشعوب الأخرى، بألسنتها المختلفة لتعود المعرفة بالصالح العام على العالم العربي بأكمله. فالترجمة أحد الفنون الهامة في التاريخ البشري والتي تعتمد على الإبداع والحس اللغوي لذا نجد أن الترجمة اعتنت بداية بنقل الأعمال الأدبية التي أبدعها الإنسان إلى لغات مختلفة منذ الألفية الثانية للميلاد أو قبلها، فالترجمة ليست مجرد نقل نص إلى اللغة المترجمة إليها فقط بل تعتمد كثيراً على الثراء اللغوي للمترجم من حيث المعان والتراكيب والدلالات التعبيرية والمصطلحات وإتقانه للقواعد النحوية وفهم الصور والتشبيهات البلاغية في اللغتين والقدرة على إظهار الجمال اللغوي في تلك الأعمال المترجمة. ولا شك أن الترجمة المتقنة تحتاج إلى معرفة كاملة بحضارة وثقافة الشعوب، والمترجم حال إحاطته بتلك الجوانب يستطيع أن ينقل لنا نصاً ثرياً بالمعرفة والإبداع ليسهم ويضيف إلى البناء المعرفي الإنساني ويزيد من فهم الثقافات الأخرى واستيعابها بصورة إيجابية وبناءة وفي عصرنا الحاضر عصر المعلوماتية وثورة المعرفة وتبادل الثقافات ومد روابط البناء الحضاري بين مختلف الشعوب، وفي عصر رجل الإسلام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - تأتي جائزة خادم الحرمين العالمية للترجمة تجسيداً لما يدركه من أهمية بناء جسور التواصل مع العالم لتحقيق السلام والوئام وترسيخ الروابط العلمية بين المجتمعات الإنسانية في زمن أصبح التبادل المعرفي ضرورة لا ترفاً وأصبح فهم الثقافات المختلفة أساس نزع الخلافات بن الشعوب وربط الأمم ببعضها في سبيل رقي الإنسان وتقدمه. في حين تحدث الدكتور شريف محمد عبدالفتاح الخولي الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة القصيم عن أهمية ترجمة الكتب والمراجع العلمية إلى اللغة العربية للمواكبة السريعة لحركة النشر في الغرب، وكذلك لتفعيل الوجود الثقافي العربي في الغرب، والتي أدركها أجدادنا منذ أكثر من ألف ومائة عام حين انتشرت حركة الترجمة في العصور الذهبية للدولة العباسية. وكما فعل العرب بترجمة علوم ومعارف من سبقوهم فعل الغرب ذلك أيضاً وقاموا بنقل العلوم العربية إلى لغاتهم، فلقد تعلموا الدرس ووعوه جيداً، فالعالم كله يدرك أن بداية أي نهضة علمية أو ثقافية لا تكون بالبدء من نقطة الصفر ولكن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وأكد أن انطلاق مبادرة خادم الحرمين الشريفين لتدشين هذه الجائزة رافقت رؤيته الثاقبة في الدعوة لمد جسور التواصل الثقافي بين الشعوب وتفعيل الاتصال المعرفي بين مختلف الأمم. ودعا الدكتور الخولي المجتمع العربي بأسره إلى الاستفادة من مخرجات هذه الجائزة التي تشجع حركة الترجمة الجديدة وتزود القارئ والمثقف والباحث العربي بأحدث العلوم وأهم المؤلفات الأدبية وتدعو لنشر ثقافة القراءة والمطالعة لدى مختلف الشرائح لخلق القاعدة الأساسية للتطور العلمي والثقافي. وأعلن أن الجائزة تخطت بعالميتها كل الحواجز اللغوية والحدود الجغرافية وأوصلت رسالة معرفية إنسانية ومهمة في تحقيق أهداف سامية مرومة تحتضنها مملكة الإنسانية ويترجمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز راعي السلام الداعي للحوار والتآخي بين الأمم. وأكد الدكتور الخولي علي مكانة مكتبة الملك عبدالعزيز العامة والتي ترعي الجائزة علي مستوي العالم، حيث تضاهي مكتبة الكونجرس الأمريكي من حيث عدد الكتب والمراجع والدوريات العالمية بكل من اللغتين العربية والإنجليزية وطالب بتعديل اسمها لتصبح مكتبة الملك عبدالعزيز الدولية ليتناسب الاسم مع حجم المكتبة وإنجازاتها ويتوافق مع عالمية الجائزة التي كانت حلماً بعيد المنال لكنها أصبحت حقيقة لا شك فيها وأصبحت تمثل الخطوة الأولي في مشوار الألف ميل المنشود، والتطوير المجتمعين العربي والإسلامي بالانفتاح على حضارات الغرب والشرق الآخر في مناحي العلوم والآداب المختلفة. واستطاعت الجائزة التي ولدت عملاقة ففي عامين اثنين فقط هما عمر الجائزة تم تكريم العديد من الباحثين لجهودهم في ترجمة بعض الأعمال في مجالات العلوم الطبيعية كالهندسة والطب إضافة إلى الهيئات والمفكرين والأفراد لجهودهم في ترجمة الأعمال الثقافية الهامة على رأسها ترجمة معاني القرآن الكريم إلى أكثر من 50 لغة آسيوية وأوروبية وإفريقية لخدمة الإسلام ونشر رسالة التوحيد من الأمم وتمنى الدكتور الخولي أن تكون الجائزة خطوة في طريق الأمل يعقبها بإذن الله خطوات جبارة للتواصل مع الباحثين والعلماء لتشجيعهم على الترجمة من إلى اللغة العربية لإثراء المكتبة العربية وتحويلها إلى مكتبات الأكبر حول العالم، والتي سيمثل في النهاية بداية البعث الجديد والمشرق للحضارة العربية.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد