إنه الصحفي الخفي الذي يدير العمل بصمت، ويكد أفكاره ويرهق ناظريه وبدنه، في سبيل أن يقدم لنا مادة صحفية سليمة اللغة في تقصيه بقراءاته المتأنية الفاحصة للمقالات والآراء يقلبها ويقيمها لكي تأت خالية من الشوائب اللغوية، لا سيما وهو الضليع المتمكن من لغته (النحوية والصرفية) والذي تمرس خلالها من الحفظ لها والمداومة بالعمل بها، حتى لم يعد رجوعه للقاموس (اللغوي) بذات أهمية، فعمله المتواصل الدؤوب الذي لا يعرف الإجازات بقدر معرفته بالإنجازات التي تصب في صالح (الصحيفة) التي ينتسب إليها.
فالديسك هو (المطبخ الصحفي) الذي يحافظ عليه رجل الديسك كما يحافظ (الطاهي) على (طبخته) حتى لا تكون عرضة للشياط أو الاحتراق. مع فارق المسمى ما بين المادة الصحفية المطبوخة والمائدة الغذائية، وكل له مذاقه الخاص به. فحين نتذوق مادة صحفية عذبة المذاق فإن الثناء يكون من نصيب رجل الديسك، مثلما هو تذوق المائدة الغذائية الشهية ويكون الثناء أيضا من نصيب (الشيف) الماهر، هذه ليست بمقارنة ولكنها مقاربة للمجهود البدني والفكري والذي يكون من سمة رجل (الديسك) الصحفي.
كانت الصحف المحلية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات الهجرية تتعاقد مع رجل الديسك الصحفي، حيث لم يكن بمقدرة الصحفي العادي بالصحيفة القيام بهذه المهمة الشاقة، وذلك لما ينقصه من خبرة ودراية في عملية صياغة الأخبار والمقالات والمانشيتات، بوجوهها المتعددة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية وكل ما يتعلق بالمادة الصحفية المراد نشرها.
فكان رجل (الديسك) هو بمثابة مولد الطاقة (الحرارية) الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وبمجرد إصابته بزكام تصاب الصحيفة بدورها وتتعثر الصفحات وتتأخر عن الصدور مما يخلق ربكة بالعمل في إنجاز المواد وسرعة الطباعة والتوزيع.. ولكن مع مرور الزمن لم تستطع الصحف البقاء على عملية التعاقد والاكتفاء بالعمل الفردي، فشجعت ودربت الصحيفة المحلية من أبنائها من هو جدير بالقيام بهذه المهمة الشاقة والصعبة جدا نتيجة ما تحتمه طبيعة المهنة لهذا الرجل المهني، وتخلقه من تعب وإرهاق، فضلا عن انزوائه في مكان قصي بالصحيفة لا يعرفه القارئ ولا هو بالصحفي ذي العلاقات الاجتماعية والسفرات المتعددة، كالذين تبرز موادهم الصحفية على صفحات الصحيفة.. إنه أشبه بالصحفي الخفي الذي يمارس عمله بكل محبة وصدق وتفان، ولا يعرف طبيعة عمله ومثمنا له ذلك غير رئيس تحرير الصحيفة التي ينتمي إليها.
ويعتني رجل الديسك، بعناية فائقة فيما يصل إليه محالاً له من رئيس التحرير أو رئيس الديسك، الذي يرأس إذا كانت هناك مجموعة من الصحفيين المتخصصين والمخصصين للعمل بالديسك، والذي يحرص الكل منهم على قراءة المادة المحالة له وإنجازها، فالعمل الجماعي يخلق الإنتاجية السريعة لما يراد نشره نتيجة كثافة المادة الصحفية المحالة للقسم (الديسك) أما إن كانت الحال على الاتكال على صحفي متخصص بهذا الشأن فهو الإرهاق والملل، فهذا النوع من العمل يعتبر من الأعمال (الطاردة) التي ينفر منها الشخص الذي ليس لديه الجلد وطول النفس في عملية الاستمرار ما لم يكن لديه من الحوافز ما يشد من عزمه ويقوي من عزمته لخلق نوع من الرغبة وطمأنة النفس لديه، بغية تشجيع لضمان استمرارية عطائه.
وما ينبغي عليه من رجل الديسك هو أن يكون ذا ثقافة واسعة ومتعددة في كل شيء، حيث من مقتضيات عمله الإلمام بمعرفة سياسة الصحيفة التي يعمل بها؛ لأن لكل صحيفة سياسة تحريرية خاصة بها، وعليه الإلمام أيضا باستخدام (الكمبيوتر) لضمان الدقة والوضوح وسرعة الإنجاز.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر.. فإن الظروف هيأت لي معرفة العمل ب(الديسك) حينما زرت صحفاً عربية عريقة وكثيرة، كنت أتصور من خلال معرفتي بالماضي البعيد أن العمل بالديسك، حصراً على الصحفي الواحد المتخصص بهذا العمل إلا أنني ذهلت حينما شاهدت داخل صالة التحرير للصحف التي زرتها، أن هناك مجموعة من الصحفيين حول بعضهم البعض وكل لديه مادة صحفية يتأملها ويعمل على إنجازها ومن ثم يسلمها لرئيس الديسك الذي بدوره يراجعها ومن ثم تتم طباعتها وتسلم لرئيس تحرير الصحيفة.
والمطبوعة الصحفية.. بقدر ما بها من كوادر مهنية صحفية تعتز بهم، فهي تنشد الكمال في البحث عن الكفاءات القادرة والمقتدرة عند المواهب الصحفية الخلاقة، فمجال العمل الصحفي اليوم ليس هو بالتقوقع والانكفاء داخل الذات عند الصحفي، بينما لا يقدم شيئا يذكر وكأنه بكسله وخموله أصبح بمثابة عالة على (صحيفته).. المطبوعة الصحفية مؤسسة قائمة بذاتها هدفها سام في نشر الثقافة وتنشد النجاح والأرباح وفق منافسة شريفة دون خسائر مما يجعلها في حراك دائم نحو الانتاجية، فالمؤسسة الصحفية تدعم وتقدم وتعطي شريطة أن يكون دعمها وتقديمها وعطاؤها متماهياً مع ما يقدمه الصحفي المنتمي إليها من جهد مضاعف من خلق وإبداع وابتكار والمشاركة في الآراء والأفكار البناءة في الاجتماع الذي تعقده إدارة التحرير شبه اليومي من أجل الأسلوب الأمثل بالرقي بالصحيفة لتكون عند حسن ظن القارئ لها فيما تقدمه له من مادة صحفية متعددة الثقافات يتوق إليها.. هي الشهد والمشاهدة.
إن العمل الصحفي الذي تسوده روح الفريق الواحد، يخلق للصحيفة أجواء رحبة من المحبة والانسجام، ويحقق للصحيفة والمنتمين إليها وثبات من النجاح، وحين يقال عن هذه أو تلك الصحيفة أنها صحيفة (ناجحة) فتمعن القول وانظر لمن يدير هذه المطبوعة الصحفية الناجحة.