Al Jazirah NewsPaper Wednesday  25/03/2009 G Issue 13327
الاربعاء 28 ربيع الأول 1430   العدد  13327
العواصف الغبارية والجسيمات الهوائية
د. بادر بن محمد صيام

 

بعد عدة ساعات من هبوبها، انقشعت العاصفة الغبارية التي غطت سماء الرياض صباح يوم الثلاثاء الماضي 13 ربيع الأول ومناطق عديدة من المملكة العربية السعودية. وهذه العاصفة لن تكن الأخيرة ولم تكن الأولى أيضاً. وفي كل عام مضى وكل عام آت ستتكرر مثل هذه العاصفة، وقد تكون أشد أو أقل شدة منها أو مثلها. إنها حالة من حالات الطقس التي تتميز بها المناطق الصحراوية الرملية في العالم. ومن المعروف أن معظم أراضي المملكة هي أراض صحراوية رملية ومحاطة من معظم الاتجاهات بأقاليم صحراوية رملية أيضاً. فعندما تهب الرياح عبر هذه الصحارى بسرعة مواتية لحمل ذريرات الرمل الصغيرة الناعمة، فإن حدوث العواصف الغبارية متوقع، وهذا ما يحدث عادة في مناطق كثيرة من المملكة، مثل المنطقة الشمالية والمنطقة الشرقية والأحساء ومنطقة جازان وغيرها.

أسباب هبوب العواصف الغبارية عديدة، أهمها حدوث تباين شديد بين مراكز الضغوط الجوية المرتفعة ومراكز الضغوط الجوية المنخفضة. وهذا ما حصل حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول المذكور؛ إذ بلغ الضغط الجوي في مركز الضغط الجوي السيبيري (فوق سيبيريا) نحو 1034 ميلليبار، وفي الوقت نفسه سيطر ضغط منخفض على شمال ووسط المملكة بلغ نحو 1008 ميلليبار، ذلك مما أدى إلى هبوب رياح شمالية شرقية من الضغط المرتفع السيبيري حملت بالغبار عند عبورها صحارى إيران والعراق والكويت إلى شمال شرق ووسط المملكة.

لقد بينت دراسات وأبحاث عديدة أن هذه العواصف، بما تحمله من مواد غبارية، تلحق أضراراً بالغة بصحة الأفراد ونشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية وممتلكاتهم، كما تلحق أضراراً بصحة الحيوان وإنتاج النبات. وعادة ما تصنف شدة العواصف الغبارية وخطورتها بسرعة رياحها وتركيز كميات الغبار فيها مقدرة بالمليغرام بالمتر المكعب (ملغ-م3).

صنفت الدراسات والأبحاث المواد التي تحملها الرياح والهواء أثناء العواصف وبعدها إلى صنفين أساسيين وفقاً لأحجامها:

1- ذرات الغبار (Dust):

تتكون من مواد رملية أو ترابية صغيرة الأحجام تتراوح أطوال أقطارها بين 500-100 مايكرومتر (1 مايكرومتر - مكم- = 0.001 ميليمتر). لا تظل ذرات الغبار طويلاً في الغلاف الجوي إذ سرعان ما تترسب على سطح الأرض تحت تأثير وزنها والجاذبية الأرضية بعد عدة ساعات من هدوء الرياح، وقد تبقى الذرات الصغيرة جداً (100 مكم) منها بين 1-5 أيام معلقة في الهواء.

2- جسيمات (Aerosols) أو ذريرات مادية (Particulates Matter PM)

تتباين أحجام الجسيمات كثيراً، فتتراوح أطوال أقطارها بين 0.0001 وعدة عشرات من الميكرومترات ويناهز بعضها100 مكم. والحقيقة لا يبقى منها معلقاً في الغلاف الجوي لمدة معتبرة إلا ما قلَّت أطوال أقطارها عن30 مكم. تظل بعض الجسيمات مدة طويلة معلقة في الهواء تتراوح بين عدة أيام وشهور وعدة سنين.

من الجسيمات ما يعود في أصوله إلى العمليات الطبيعية ومنها ما يعود إلى النشاطات الإنسانية. ومنها ما تحافظ على خصائصها الكيميائية وتعرف بالجسيمات الأولية، ومنها ما تتشكل في الغلاف الجوي نفسه أو تتعدل خصائصها الكيميائية بواسطة تفاعلات كيميائية وضوئية كيميائية تجري بين الغازات الموجودة فيه أو بوساطة تخثر الجسيمات الصغيرة على بعضها البعض خاصة عند وجود رطوبة جوية عالية وتعرف حينئذ بالجسيمات الثانوية. كما ينتج الكثير منها عن تأكسد المركبات العضوية (VOCs).

وتصنف الجسيمات (الذريرات) وفقاً لأطوال أقطارها كما يلي:

أ- جسيمات (ذريرات) كبيرة (Large particulates Matter):

تزيد أطوال أقطار هذه الجسيمات كثيراً عن10 مكم، وقد تكون جسيمات أولية أو ثانوية، وتتواجد بكميات كبيرة في الغلاف الجوي أثناء العواصف الغبارية وبعيدها، وعند انفجار البراكين واحتراق الغابات ومن رذاذ مياه البحار والمحيطات أو قرب مصادر التلوث الإنسانية في المدن والمواقع الصناعية ومواقع البناء وحرث الأراضي الزراعية، وأثناء حركة المركبات على الطرق المعبدة وغير المعبدة واحتراق الوقود الأحفوري وغيرها من النشاطات الطبيعية والإنسانية، لكن سرعان ما تجد هذه الجسيمات الكبيرة طريقها إلى سطح الأرض تحت تأثير ثقلها والجاذبية الأرضية.

ب- جسيمات (ذريرات) خشنة (Coarse Particulates Matter):

تتراوح أطوال أقطار هذه الجسيمات بين 10 مكم وأكثر من 2.5 مكم، وتعرف باسم (PM10) اختصار لعبارة (Particulates Matter of 10 micrometers in diameter) وتتشكل بالعمليات نفسها التي تتشكل بواسطتها ذرات الغبار الكبيرة.

ج- جسيمات (ذريرات) ناعمة (Fine Particulates Matter):

تتراوح أطوال أقطار هذه الجسيمات بين 2.5 مكم وأكثر من 1 مكم، وتعرف باسم (PM2.5) اختصاراً لعبارة (Particulates Matter of 2.5 micrometers in diameter) وهذه الجسيمات دقيقة جداً لا ترى إلا بواسطة المجهر الإلكتروني، وتنجم عادة عن عمليات الاحتراق المختلفة بما فيها الاحتراقات في محركات المركبات ومنشآت توليد الطاقة والتدفئة المنزلية واحتراقات الغابات والمخلفات الزراعية وعن بعض العمليات الصناعية.

ويقدر تركيز الجسيمات الخشنة والناعمة (PM2.5 وPM10) معاً في الغلاف الجوي فوق اليابسة بنحو 10000 جسيمة - سم3 وسطياً.

د- جسيمات فوق الناعمة (Ultra fine particles - UFP):

تسمى أيضاً فوق الجسيمات (Ultra particles) تقل أطوال أقطار هذه الجسيمات عن 0.1 مكم (PM0.1) ويناهز عددها نحو150 ألف جسيمة - سم3 في هواء الأرياف، وقد يصل إلى نحو 4 ملايين جسيمة - سم3 في هواء المدن الصناعية.

التأثيرات الصحية للجسيمات:

تتمكن ذرات الغبار أثناء العواصف والجسيمات الكبيرة من الدخول إلى الأنف والفم مؤدية إلى صعوبة بالتنفس وقد تؤدي أحياناً إلى الاختناق، وبخاصة لدى الأطفال وكبار السن والأفراد الذين يعانون من أمراض تنفسية وصغار الحيوانات، وتتمكن من دخول العيون مؤدية إلى التهابها وإصابتها بأمراض فتاكة قد تؤدي لفقدان البصر. كما أنها، بسبب ترسبها على أوراق النباتات والمحاصيل الزراعية، تعمل على انسداد المسامات فتعيق تنفس النبات وقيامه بعملية التبخرنتح والتمثيل الضوئي مما يؤدي إلى ضعف إنتاجيته أو موته.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ذرات الغبار تعكس الأشعة الشمسية وتمتصها فوق مدى الرؤية أو ينعدم كلياً خلال العواصف الشديدة مما يؤدي إلى حوادث مرورية مريعة في الشوارع وعلى طرق المرور السريعة. كما تتعطل بسببها العديد من رحلات النقل الجوي أو تتغير مواعيدها، أو تضطر أحياناً بعض الطائرات من الهبوط في مطارات أخرى أو تعود من حيث أتت. لا شك في أن هذه الأمور وغيرها ستؤدي إلى خسارة اقتصادية كبيرة لكل من المسافرين وشركات الطيران.

بينت دراسات عديدة أن استنشاق الجسيمات يؤدي إلى إصابة الإنسان والحيوان بالعديد من الأمراض الخطرة التي تصيب جهاز التنفس مثل الأزمة (Asthma)، الربو، وسرطان الرئة (Lung cancer) والتهاب الأوعية القلبية الدموية (Cadiovascular) وتصلبها والموت المبكر أحياناً.

يرتبط مدى توغل الجسيمات خلال الجهاز التنفسي للإنسان والحيوان بحجم الجسيمات، فكلما كانت أحجامها صغيرة زادت قدرتها على التوغل عميقاً خلال الجهاز التنفسي.

وغالباً، لا تسبب الجسيمات الكبيرة التي تزيد أطوال أقطارها عن10 مكم (PM10) أضراراً صحية خطرة لأنها تنقى بواسطة أغشية الأنف والحلق وسوائلها اللزجة ولا تتمكن من الدخول إلى الرئتين. بينما تتمكن الجسيمات (PM10) من دخول الرئتين والشعب الرئوية (Bronchi)، مسببة أضراراً صحية جسيمة للرئتين. وتتوغل الجسيمات 2.5 PM وPM0.1 إلى مواقع التبادل الغازي في الرئتين، حيث تنساب مع الدم وتترسب في الشرايين الدموية والأوعية القلبية مسببة التهابها وتصلبها، مما قد يؤدي أحياناً إلى حدوث ذبحة قلبية. وتتمكن الجسيمات 0.1 PM التي تعد أكثر ضرراً للأوعية القلبية، من اختراق أغشية الخلايا والوصول إلى أجهزة أخرى مثل الدماغ مسببة أضراراً له وتعد أحد أسباب الإصابة بمرض فقدان الذاكرة (Alzheimer)، وقد تؤدي للموت المبكر وزيادة في عدد الوفيات مع ازدياد تركيزها في الهواء. وفي حال كانت هذه الجسيمات مكونة من السخام (Soot) فمن الممكن أن تسبب أمراض السرطان بما تحمله من مركبات مسرطنة مثل البنزوبايرن (Benzopyren). وقد قدر عدد الوفيات بسبب الجسيمات بنحو 22000 - 25000 حالة - السنة في الولايات المتحدة الأمريكية وبنحو 200000 حالة - السنة في أوروبا. وتعد هذه الجسيمات واحدة من أهم ست ملوثات للهواء. وبينت وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة عدم تجاوز تركيز 2.5 PM عن 35 ملغ-م3 وتركيز 10 PM عن 135ملغ-م3.

لا شك في أن الكثير من المواطنين في مناطق عديدة من المملكة يعانون من الأمراض التنفسية والرئوية وأمراض العيون والأمراض القلبية، ومن نفوق مواشيهم، ومن آثار ونتائج بعض الحوادث المرورية بسبب العواصف الغبارية وتكررها عدة مرات وفي مختلف فصول السنة.

في البلدان الموبوأة بالعواصف العاتية مثل التورنادو والهيركان وغيرها من الكوارث المناخية، التي تلحق أضراراً جسيمة بالأفراد وممتلكاتهم، يوجد مراكز علمية وطنية استراتيجية تقوم بدراسة هذه العواصف وتتبعها على مدار الساعة لدرء أخطارها. ولذلك فإنه من المجدي والضروري أن توجد مثل هذه المراكز العلمية الوطنية في المملكة العربية السعودية أيضاً لإجراء أبحاث ودراسات حول العواصف الغبارية والجسيمات الموجودة في الهواء والمشاكل المناخية الأخرى.

المشاكل المناخية كثيرة وعانى منها المجتمعات البشرية في العالم على جميع الأصعدة الاجتماعية والصحية والاقتصادية وغيرها، وتقدر الدراسات العلمية الحديثة أن نحو 75% من الكوارث الطبعية التي تصيب المجتمعات البشرية في مختلف أنحاء العالم هي كوارث مناخية.

إن دراسة هذه المشاكل وإجراء الأبحاث حولها ضرورية جداً لاتقاء شرورها وحماية أنفسنا وأجيالنا وممتلكاتنا ومستقبلنا منها. ومن الممكن جداً أن تبدأ مثل هذه الدراسات والأبحاث في قسم الجغرافيا في جامعة الملك سعود بالتعاون مع الجهات العلمية والبحثية الأخرى المهتمة بهذا الموضوع.

ونتوجه إلى كل من يهمه الأمر وبخاصة وزارة المواصلات والزراعة والصحة والهيئة العامة للسياحة وشركات الطيران ومؤسسات النقل البري وحماية البيئة الفطرية والشركات الخاصة لدعم هذه الدراسات والأبحاث ودعم إيجاد كرسي علمي لدراسات المشاكل المناخية في قسم الجغرافيا في جامعة الملك سعود لإجراء دراسات وأبحاث حول العواصف الغبارية والجسيمات المعلقة في الهواء والمشاكل المناخية الأخرى التي تهم المجتمع.

أستاذ الجغرافيا المناخية
قسم الجغرافيا - جامعة الملك سعود



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد