Al Jazirah NewsPaper Wednesday  25/03/2009 G Issue 13327
الاربعاء 28 ربيع الأول 1430   العدد  13327
ما يبقى في الذاكرة
خالد محمد السعد العجلان

 

لكل إنسان فترة من العمر يعيشها خلال حياته، ينشأ طفلاً ثم شاباً فعاقلاً ثم شيخاً، ولا يعلم متى تكون نهايته. وتتكون للإنسان في هذه الحياة ذاكرة تحتوي على جميع الأعمال التي قام بها أو رآها في حياته. لذا فإن الذاكرة لها مراحل وأنواع عدة. أما مراحلها فهي مرحلة الطفولة والمراهقة والعمل والشيخوخة. وأنواعها فهي ذاكرة جيدة، وذاكرة ليس لها قيمة، وذاكرة سيئة. وغالباً ما يبقى عالقاً بذاكرة الإنسان هي الذاكرة الجيدة أو الذاكرة السيئة. لذا هناك سؤال مهم جداً، وهو ما الذي يبقى في ذاكرتنا؟ أعتقد أنه سؤال سهل في البداية ولكنه عند التعمق فيه للإجابة عليه بوضوح وصراحة فإن من الصعوبة بمكان الإجابة عليه، بل إنه يعتبر من أصعب الأسئلة التي يواجهها الإنسان خلال حياته، هل يملك محتوى ذاكرة جيداً أو ممتازاً أو رديئاً، وكل إنسان لديه الدراية الكاملة به؟ لذا لعلنا قبل الإجابة على هذا السؤال نتحدث عن أهم أنواعها.

الذاكرة السيئة -والعياذ بالله- هي ما يقوم به الإنسان من أعمال سيئة مثل الوقوع في المحرمات أو ارتكاب الجرائم أو إيذاء الناس أو استغلال الوقت فيما يغضب الله أو ترك أداء الواجبات، فهي تحسب على الإنسان وخصوصاً من تعدى مرحلة الطفولة فعليه أن يعي ما يقوم به من أعمال حيث إنه مُحاسب على كل ما يقوم به، كما أن هناك أناساً كثيرين يقومون بالأعمال التي ظاهرها حسن لدى الغير وباطنها سيئ من غيبة ونميمة وتفريق بين الأقارب، وقد لا يعلم بسوئها إلا الله سبحانه وتعالى وصاحبها، ومن المؤسف أن تراهم يستمرون على هذه الأعمال فترات طويلة. كما أن هناك أناساً يقومون بالأعمال التي تخدم مصالحهم فقط دون المبالاة بمصالح الآخرين وحتى لو كانت تضر بالغير، لذا لعل ذاكرتنا تكون خالية من الأعمال السيئة.

أما الذاكرة التي ليس لها قيمة فهي مضيعة الوقت فيما لا نفع فيه مثل اللهو واللعب في جميع الأوقات والخمول والكسل المستمر أو تضييع الوقت كله في ممارسة الهوايات غير النافعة، فإن هؤلاء قد ضيعوا الكثير من الوقت دون أن يستغلوه بفائدة تذكر، فقد عملوا أعمالاً لم يستفيدوا منها في الدنيا ولا في الآخرة، والوقت ثمين له قيمة كبيرة لا يعلمها كثير من الناس. لذا فإن مُضيع الوقت مثل الشخص الذي ليس في الوجود، بمعنى أن العمر الذي قضاه في هذه الغفلة لم يستفد منه بأي فائدة تذكر، فهو يعيش من دون قيمة في حياته.

أما الذاكرة الجيدة فهي ما يطمح إليه العاقل، ولعلنا نسهب فيها بشيء من التفصيل بداية من مرحلة الطفولة والتي يكون فيها صغيراً وغالباً لا يعلم سوى متى يقوم ومتى يأكل ومتى يلعب، علماً أنه في هذه الفترة غير محاسب من الله سبحانه وتعالى، وبعدها تأتي مرحلة البلوغ والمراهقة ويكون فيها كبيراً بجسده صغيراً في عقله إلا قليل من الناس منَّ الله عليهم بالهداية، أما عندما يكبر ويتعدى مرحلة المراهقة فتأتي مرحلة الشباب والقوة، وهذه المرحلة هي التي يتضح جلياً اختلاف الناس فيها، فمنهم من يعمل ويجتهد ويفوز ومنهم من يفرط ويخسر، لذا فهي تعتبر أهم مراحل الحياة لأنها هي مرحلة تأسيس وتكوين الإنسان لمستقبله بالدنيا والآخرة، أما المراحل الأخيرة من العمر وهي مرحلة الشيخوخة وغالباً يعمل الإنسان فيها حسب ما عود نفسه عليه في المراحل السابقة من حياته وقليل من الناس من يختلف فيها، لذا نجد أن أهم شيء عليه أن يعود نفسه على الأعمال الصالحة والعادات الحسنة. فلو قيل لإنسان أنك سوف تقابل الحاكم أو الرئيس مقابلة خاصة بعد مدة من الزمن وسوف يقوم الحاكم بتقييم عملك هذا الذي سوف تقوم به خلال هذه الفترة وحتى مقابلته، فأجزم أن معظم الناس سيعملون أعمالاً كثيرة وشاقة لعلها تحوز على رضا الحاكم أو الرئيس، فما بالك بمقابلة الله سبحانه وتعالى!! لذا فإن الذاكرة الجيدة التي نتمنى أن نفوز بها لا تأتي بالتمني أو الخيال وإنما تأتي بالأفعال، أي أن كل إنسان منذ صغره وحتى كبره وشيخوخته يحتاج إلى الصبر والجد والمثابرة وبإذن الله تكون نتائجها مرضية في الأخير وأهمها عند الوقوف أمام الله سبحانه وتعالى. كما أن الذاكرة عبارة عن سجل ومقياس دقيق للأعمال التي نقوم بها في حياتنا لأنها تعبر عن جميع أعمالنا ونوايانا، كما أنه من العدل والصدق مع النفس أن يحاسب الإنسان نفسه قبل أن يُحاسب وأن يكون ظاهره مثل باطنه في جميع أعماله، لذا لو قدر لنا أن يطلع على ذاكرتنا الآخرون هل سنخجل من أنفسنا عند اطلاعهم عليها أم سنكون سعداء لأنهم سوف يرون أعمالاً مشرفة، لذا فإن حسن النية والإخلاص في العمل يكوِّن الذاكرة الجيدة.

أما ما دعاني لكتابة هذا المقال هو أنني عشت سنة كاملة مع ذاكرتي لإنسان غال وعزيز على قلبي فقدته منذ عام بتاريخ 28-3-1429هـ ألا وهو أخي عبدالله بن محمد السعد العجلان -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- وخلال هذا العام تذكرته في مواقع عديدة جداً وأوقات كثيرة لا يمكن حصرها في هذا المقام، والجميع يسأل عن أي الذاكرة التي تذكرته بها. يعلم الله سبحانه وتعالى أنني ذكرته بذاكرة رائعة من كرم وسماحة خلقه الرفيع وفعله الطيب، فقد كان أبوعجلان -رحمه الله- متسامحاً للغاية مع لين الجانب والبشاشة بطبعه، فقد ذكرته في مواقف عدة من عون الضعيف وإرشاد الضال وتوجيه المسافر، فقد كان له حيز كبير في هذه السنة مع ذاكرتي بحسن نيته وإخلاصه في العمل، فلم ينظر يوماً إلى ما قدم من عمل لأي شخص سواء كان هذا العمل صغيراً أو كبيراً، لذا تبادر إلى ذهني أنه لابد أن يكون للإنسان أعمال خالدة تبقى معه في حياته وتخلد ذكره وتشفع له -بإذن الله- بعد مماته.

لقد كانت ذاكرتي التي لم تنسه في هذا العام هو ما دعاني أن أقول لكل إنسان أن يقف وقفة صادقة مع نفسه ويتساءل بسؤال حقيقي عما تحويه حقيبة ذاكرته وما تحمل في طياتها من أعمال والتي يرى الإنسان فيها أعماله الجيدة والسيئة لأنها هي المعيار الحقيقي لمعرفة أعمال الشخص في حياته، ولعلنا نجتهد في تعديل سلوكنا إلى الأحسن في جميع أعمالنا ونجعلها خالصة لوجهه سبحانه.

ومما تقدم لعلنا نستطيع الآن أن نجيب على سؤالنا في البداية، ما الذي يبقى في ذاكرتنا؟ وأعتقد أن الإجابة عليه تكون باسترجاع شريط الذاكرة كاملاً وتأمله بروية تامة ثم تقييمه بواقعية لنعرف من خلاله على ما تحتوي ذاكرتنا، هل هي ذاكرة جيدة مضيئة أم سيئة سوداء أم ليس لها قيمة كالسراب؟ فعندما تصبح النسبة الكبرى من الذاكرة جيدة فهذا حسن -إن شاء الله- أما إذا كانت النسبة الكبرى سيئة فهذه خسارة كبيرة وتفريط، أما إذا كانت النسبة الكبرى ليس لها قيمة فهذا ضياع للوقت والعمر. وفي الختام نتمنى أن تحتوي ذاكرتنا على حصيلة قيّمة من الأعمال نقابل بها رب العزة والجلال. والله أدعو أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

رجل أعمال



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد