Al Jazirah NewsPaper Wednesday  25/03/2009 G Issue 13327
الاربعاء 28 ربيع الأول 1430   العدد  13327
مؤسسة الملك فيصل الخيرية نبتة أصيلة وثمار مباركة
عادل علي جوده

 

أما الثمار، فنقف اليوم مع أولى محطاتها وهي محطة (الإنفاق الخيري)، وقريباً بحول الله سأتجول بصحبتك قارئي الكريم في محطات أخرى متنوعة ومتشعبة؛ نجوب أجواءها وأرجاءها، ونتذوق معانيها وآثارها، ونتحسس سعادة من نعموا بخيراتها.

وأما النبتة، فقياساً بعمر الزمن كأنما غُرست بالأمس، وقياساً بحجم الإنجاز كأنما بلغت من العمر مائة سنة، ولكن دون أن تشيخ، بل مازالت في ريعان شبابها وعنفوان عطائها! نعم قارئي، هي (مؤسسة الملك فيصل الخيرية)؛ وقل معي (ما شاء الله.. لا قوة إلا بالله)!

في عام 1396هـ؛ أي قبل أربعة وثلاثين عاماً، أُنشِئتْ، ومنذئذٍ؛ أي منذ اللحظة الأولى، أَنجَزَتْ، ومازالت حتى اليوم تُنجز، وكل ذلك بهدوء وصمت!

ومازال جدول الطموحات للمستقبل يعمر بالكثير؛ وهو جدول ذكي؛ يستوعب كل نافع يستجد في أي وقت، وَخَلِيَّةُ النحل عَشِقَتْ وصل الليل بالنهار في عمل دائم دؤوب، بقيادة عيون تُحدِّد بإتقان وتتابع بدقة وتوجّه بسَمْتْ.

إنجازات لا تنتهي عند حد! ومع كل إنجاز يهلّ علينا ذاك العطر الزكي؛ عطرٌ يتجلى فيه سمو الهدف ونبل السعي؛ عطرُ أبناء (الفيصل) وكفى بهذا الاسم اعتزازاً وجميلَ وَصْف!

رحم الله الفيصل رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة. وها هي ذاكرتي تحملني إلى تلك الوقفة المذهلة، قبل ما يزيد عن الستة عشر عاماً، حينما زرت لأول مرة (قاعة الملك فيصل التذكارية) التابعة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية والواقعة في الدور الأول من البرج الشمالي بمبنى مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وهي قاعة متخصصة؛ تحكي (فيصل بن عبدالعزيز) بكل مراحل سنه وتفاصيل شأنه؛ تصف سكناته وحركاته، وفكره، وبساطة عيشه، وهدوء زيِّه، وتدون بمداد الفخر إنجازاته الداخلية والخارجية، وهي دعوة أوجهها لك قارئي الحبيب لزيارة هذه القاعة التي تفتح أبوابها فترتين؛ صباحية من الثامنة إلى الثانية عشرة، ومسائية من الخامسة إلى التاسعة، طيلة أيام الأسبوع عدا الجمعة فهو يوم عطلة، وقد خُصص يوم الخميس للعائلات، أعود إلى وقفتي التي كانت مع قصاصة صغيرة من الورق خَطَّ عليها الفيصل عبارات قليلة في عدد مفرداتها ولكنها مبهرة في عمق أبعادها وغاياتها، فماذا جاء في الورقة التي وُجدت في جيب الفيصل بعد وفاته رحمه الله تأمل قارئي هذا الهمس النثري الأصيل؛ سِتُّ جُمَل فقط، في كل جُملةٍ سِتُّ كلماتٍ فقط: (العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن السخاء حسن ولكن في الأغنياء أحسن الورع حسن ولكن في العلماء أحسن الصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن التوبة حسنة ولكن في الشباب أحسن الحياء حسن ولكن في النساء أحسن) أرأيت قارئي؛ وهل استشعرت معي جمال تلك المعاني السامية وهي تستعذب سكناها في أعماق رجل همُّه البحث عن الأحسن!

لذلك أقول عن (مؤسسة الملك فيصل الخيرية) إنها نبتة أصيلة؛ لأن منشئيها هم أبناء الفيصل؛ وحالهم حال والدهم؛ البحث عن الأحسن والأفضل؛ أرادوها سجلاً متحركاً يحكي المبادئ والقيم التي ناضل أبوهم من أجلها، ويروي مسيرته العامرة بكل ما من شأنه إعلاء كلمة الحق، والذود عن حمى الدين، والدفاع عن قضايا المسلمين، والسعي نحو رفع شأنهم وتحقيق الألفة فيما بينهم وجمعهم على ما فيه نفعهم.

أرادوها كياناً قوياً يواصل مسيرة الفيصل، وكان لهم ما أرادوا؛ بتوفيق الله جلت قدرته أولاً، ثم بدعم أولي الأمر الذين احتضنوها ويسروا سبلها؛ بدءاً بالمغفور له بإذن الله جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز؛ الذي أصدر بتاريخ 19-5-1396هـ مرسوم الموافقة على إنشائها وعلى نظامها الأساسي، ومن ثَمَّ بما حظيت به من مؤازرة وتعضيد من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز؛ - رحمه الله-، ثم بما تلاقيه اليوم من رعاية وإسناد على يد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز؛ حفظه الله، وولي عهده أمير الخير سلطان بن عبدالعزيز الذي تبتهج القلوب بعودته سالماً معافى من رحلته العلاجية وتلهج الأفئدة بالدعاء له بالشفاء العاجل التام الذي لا يغادر سقماً.

بذلك كله انطلقت (مؤسسة الملك فيصل الخيرية) تقدم الخير من لحظة نشأتها عبر أولى ثمارها المباركة؛ (برنامج الإنفاق الخيري) الذي يُعد من الدعائم التي تستند إليها المؤسسة في تحقيق غاياتها الإنسانية التي تصب في خدمة الأمتين العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء، فتبنت تنفيذ البرامج والمشروعات الخيرية والإنفاق عليها وتأهيلها، بما في ذلك النشاط العلمي والتعليمي، وأوجه البر المختلفة مثل تشييد المساجد، والمدارس، والمعاهد، والجامعات، والمراكز الإسلامية، ومراكز البحث العلمي، وتوفير الخبرات الفنية، وتقديم المعلومات والمنح للباحثين والدارسين في شتى العلوم والدراسات لتتاح الفرصة للمسلمين في الاستزادة من ألوان المعرفة والثقافة المختلفة والمساهمة في بناء النهضة العلمية العالمية، وإقامة المشروعات السكنية للطلاب، ودعم برامج الإصلاح الزراعي، وطباعة الكتب الإسلامية، وإنشاء دور رعاية الأطفال المعاقين، وإقامة المستشفيات والمستوصفات والمراكز الطبية، ودعم البحوث الطبية، والمساعدة في إنشاء الجمعيات الخيرية، ودعم المؤسسات الخيرية وجمعيات البر، وتقديم تبرعات وهبات عامة للمسلمين، وتقديم المساعدات وإنشاء المستشفيات والمصحات ودور العلاج والرعاية والتأهيل بما يرفع مستوى الفرد المعيشي والاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات الإسلامية. كم أتمنى لو أدوّن هنا البصمات التي نقشتها (مؤسسة الملك فيصل الخيرية) في كافة أرجاء المعمورة، إلا أنني لن أخوض مغامرة الاختزال؛ فسرد مثل تلك البصمات يحتاج إلى كتب لا إلى مقالات!

ولكني لن أعدم اغتنام الفرصة في هذه المقالة، فأشير من بعيد إلى بعض ملامح الإنفاق الخيري الذي انتهجته (مؤسسة الملك فيصل الخيرية)، ولعل أبرز ما يقفز إلى الذهن الآن ذلك النهج الذي يعتمد الديمومة في عطائه، ألا وهو (الوقف الإسلامي) الذي يحفظ للمنتفعين عزتهم وكرامتهم ويعمق فيهم إعلاء قيمة العمل وشأن الاعتماد على النفس من خلال توفير فرص العمل لهم ولأبنائهم ومساعدتهم على تطوير قدراتهم.

وتحظى الأقليات المسلمة بجانب كبير من الإنفاق الخيري الذي تقدمه المؤسسة ولا سيما المشروعات الوقفية التي يُستفاد منها في اتجاهين؛ الأول: الرفع من شأن المسلمين وحل مشكلاتهم وإشباع حاجاتهم مما تدره عليهم من خير مستمر، والثاني: توطيد أواصر الصلة لهذه الأقليات بعالمهم الإسلامي بوصفه؛ أي الإنفاق الخيري، قناة اتصال تزيد أفراد هذه الأقليات ارتباطاً بدينهم وترسخ داخلهم الشعور بهويتهم وانتمائهم. واللافت هنا أن المشروعات الخيرية كانت تنفَّذ في مسارات متعددة في آن معاً؛ إذ كان التنفيذ يجري على قدم وساق في مدن المملكة العربية السعودية وقراها، وفي الوقت نفسه في الغالبية العظمى من الدول العربية والإسلامية، وفي كافة الأرجاء حيث الأقليات المسلمة.

الأمر الذي أدى إلى انتشار المشروعات الخيرية داخل المملكة وخارجها في وقت قياسي؛ ففي داخل المملكة عمّ الخير العديد من المدن والقرى، ومن بينها الرياض، وجدة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، والبدائع، وعفيف، وقرية ظريا بالقصيم، وتربة، وفيفا، ومنطقة عسير التي شهدت مشروعين نوعيين؛ يتمثل الأول في إعادة توطين ستين أسرة؛ هم سكان قرية (الحبلة) الذين كانوا يعيشون في عزلة تامة عن العالم، وكانت وسيلة التنقل لديهم، في رحلة الذهاب إلى الأسواق والقرى المجاورة والعودة منها، هي التسلق صعوداً والتشبث هبوطاً باستخدام الحبال المثبتة في قمم الجبال والمتدلية على سفوحها ومنحدراتها الوعرة، فانتشلتهم المؤسسة من حياة البداوة إلى حياة المدنية؛ حيث أسكنتهم في (قرية الملك فيصل النموذجية) التي شيدتها لإيوائهم. وفي الوقت نفسه لم تدَع المؤسسة قرية (الحبلة) على ما كانت عليه، بل أولتها اهتماماً نهضوياً خاصاً استبدل الحبال المتدلية بالعربات الكهربائية المعلقة، وجعل القرية مشهداً سياحيًا يرتاده السائحون.

والمشروع الآخر أيضاً للتوطين ولكن في قرية (الحريضة) على أرض قدرت مساحتها بثلاثمائة وستين ألف متر مربع، وتضمن المشروع إنشاء مائتي وحدة سكنية.

وقد زُوِّدَ المشروعان بكافة المرافق والخدمات؛ المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، ووسائل الاتصال، وشبكة الطرق، والمساجد، والمراكز التجارية، والحدائق العامة، والخدمات الطبية والتعليمية. وكذلك الأمر خارج المملكة؛ حيث نفذت المؤسسة مشروعاتها الخيرية للأقليات المسلمة في مختلف قارات العالم، فهنالك أكثر من خمسين مشروعاً خيرياً في قارة آسيا، من بينها خمسة وعشرون مشروعاً في الهند؛ منها إنشاء مركز إسلامي، ومركز ومستوصف لكلية البنات (فوناني)، وإنشاء دار للأيتام، وبناء فصول دراسية للمعهد الإسلامي في أمكوان، وإنشاء معهد لدراسات الحاسب الآلي في كوالالامبور، وإنشاء ثانوية للبنات بجامعة دار السلام (عمر أباد). ونفذت المؤسسة سبعة مشروعات في الفلبين، منها ترميم مسجد الملك فيصل في مراوي، وإنشاء سكن لطلاب معهد زمبونجا، وبناء فصول دراسية لجمعية التنمية الإسلامية.

كما أقامت ستة مشروعات خيرية في الباكستان، منها إنشاء مركز تعليمي لأطفال اللاجئين بلتستان، وإنشاء مستشفى لجراحة العظام في أفغانستان. وأنشأت المدرسة الظاهرية في بنجلادش. وأقامت مشروعين في سيريلانكا.

وشيدت مبنى لجمعية الدعوة الإسلامية في سنغافورة. ومولت أربعة مشروعات في تايلاند، منها إتمام بناء مكتبة المعهد الإسلامي، ومدرسة الترقية الإسلامية. كما موّلت ثلاثة وأربعين مشروعاً خيرياً في إفريقيا، منها ثلاثة مشروعات في كينيا من بينها إصلاح المدارس الابتدائية لدار الأيتام وفرشها.

وموّلت عدداً من المشروعات في السنغال؛ منها مركز الملك فيصل الثقافي الإسلامي، ومدارس منار الهدى. كما مولت خمسة مشروعات في مالي، منها بناء مسجد ومدرسة نور الدين، وتوسعة المدارس الاتحادية.

ومولت بناء معهد الملك فيصل في سيراليون. وأسهمت في دعم أربعة مشروعات خيرية في تنزانيا، منها مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ومدرسة النور الإسلامية. وقدمت الدعم لخمسة مشروعات في غانا، منها بناء جمعية الدعوة الإسلامية، ومبنى المدرسة العربية في بالقرى.

وساهمت في تنفيذ ثلاثة مشروعات في نيجيريا، منها مركز إعلاء الدين وبناء فصول دراسية لمدرسة أحباب الدين الإسلامية. ودعمت جمعية الثقافة الإسلامية في جامبيا، إلى جانب بناء مركز صحي، وحفر خمسة آبار للجمعية.

كما دعمت بناء جامعة الملك فيصل في جمهورية تشاد. ومن المشروعات التي مولتها المؤسسة في ساحل العاج إنشاء مدرسة الإمام سنال الإسلامية، ومدرسة أيوب الأنصاري، والمركز الإسلامي للقرآن والحديث.

وامتدت مشروعات المؤسسة إلى كل من موريتانيا، وجزر القمر، وجنوب إفريقية، وجمهورية توجو، وقدمت مساعدات وهبات عامة، منها دعم الشعب الفلسطيني، وقدمت مساعدات أخرى للمسلمين في البوسنة والهرسك والصومال، وقدمت ومازالت تقدم مساعدات فعالة عاجلة في حالات الطوارئ والنكبات التي يتعرض لها المسلمون في كل مكان، كتلك التي حدثت في أفغانستان، والبوسنة والهرسك، والصومال، وفلسطين. ومولت المؤسسة وأنشأت خمسة عشر مشروعاً خيرياً في أوروبا وأمريكا الشمالية، تشتمل على مراكز صحية، ومشروعات علمية، وأبحاث علمية وطبية في مجال السرطان والملاريا، وأبحاث الطاقة، وأبحاث حول الإسلام والغرب، والعلاقات التاريخية والثقافية التي تهم الإسلام والمسلمين، وبلغ عدد مشروعات المؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية تسعة مشروعات؛ من أهمها مشروع لجنة الاحتفال بالقرن الرابع عشر الهجري، والمركز الإسلامي في ولاية ميزوري، ودعم أبحاث اللقاح ضد الملاريا، وأبحاث مرض السرطان.

وقدمت الدعم لأربعة مشروعات خيرية في بريطانيا، منها دار الرعاية الإسلامية في ويلز، وبيت المدينة لجمعية النساء المسلمات، وبيت الشباب في لندن. ومولت مشروعين في سويسرا لدعم مؤسسة الدرعية لأبحاث الطاقة، ولتمويل بحث عن نتائج العلاج بعقار الأنترميرون في جنيف. ودعمت المؤسسة معهد تاريخ العلوم العربية في مدينة فرانكفورت الألمانية، وأقامت مشروعات متعددة في الجمهوريات الإسلامية المستقلة في الإتحاد السوفيتي السابق؛ منها المعهد الشرعي، ومسجد أبي بكر، والمعهد العلمي في بوفلما، والمركز الإسلامي في طشقند، وترميم مبان مدرسة قروزني في الشيشان.

نعم قارئي، ما تفضلت بقراءته ليس إلا لمحة سريعة، وعن بُعد، في محطتنا الأولى؛ (برنامج الإنفاق الخيري) الذي رسم للمؤسسة بصمات تنموية عامرة بالخير والنورللإنسانية في شتى أنحاء العالم.

وأما المحطات الأخرى فواحات خير وعطاء أرجو، إن كان لنا في العمر بقية، أن نستنشق معاً بعضاً من نسائمها؛ تارة مع (جائزة الملك فيصل العالمية) التي أبهجت قلب أمها وقلوب الأمتين العربية والإسلامية وهي تتبوأ المكانة الجليلة اللائقة بها حتى أصبحت محط أنظار قادة العالم وعلمائه ومفكريه وأدبائه، وتارة أخرى مع (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية)؛ الصرح الشامخ في مجال خدمة الباحثين وطلبة العلم والحفاظ على التراث الإنساني، وثالثة مع برامج المنح الدراسية وما يتصل بدعم البحث العلمي، ورابعة وخامسة مع بصمات المؤسسة في مجال التعليم العام والجامعي والعالي الذي تُوِّجَ بإنجازين سيطول الحديث بشأنهما؛ هما (برنامج الإعداد الجامعي) و(جامعة الفيصل). إذن للحديث، بإذن الله، تتمة.

كاتب فلسطيني - الرياض


aaajoudeh@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد