Al Jazirah NewsPaper Wednesday  25/03/2009 G Issue 13327
الاربعاء 28 ربيع الأول 1430   العدد  13327
الحاجة إلى تغير ثقافة التقويم في مدارسنا
د. فهد بن عبدالكريم البكر

 

يتميز عصرنا الحالي بالتغيرات السريعة والتطورات المذهلة في المعلومات والمفاهيم والنظريات، وأصبحت الفترة الزمنية التي نعيشها هي مرحلة ثورة المعلومات التي تعتمد في المقام الأول على القدرة الذهنية للإنسان، ولكي نتصدى إلى هذا التحدي فإنه يلزم إعداد أجيال جديدة واعية تتعامل مع المعلومات بطلاقة وتنمي القدرات العقلية بأسلوب علمي منظم يقوم في المقام الأول على ثقافة الإبداع لا على ثقافة الذاكرة.

ويعد التقويم عنصراً أساسياً في منظومة العملية التعليمية، فهو يؤدي دوراً فاعلاً في إنجاحها بما يحدثه من توازن وتكامل بين مختلف عناصرها وبما يحدثه فيها من تعديل أو تكييف أو تصويب في ضوء البيانات والمعلومات والأحكام التي تنشأ عنه. والتقويم التربوي أداة المربين للانتقال بالعملية التعليمية مما هو قائم إلى ما ينبغي أن يكون فهو الأسلوب العلمي والعملي الذي يتم من خلاله تشخيص دقيق للواقع التربوي، واختبار لمدى كفاءة الوسائل المستخدمة والاستفادة من ذلك في تعديل وتوجيه المسار التربوي نحو تحقيق الأهداف على نحو أفضل.

ومع الاعتراف بأهمية وجدية دور التقويم في العملية التعليمية إلا أن ما نراه متبعاً في المدارس من أساليب للتقويم يقف حجر عثرة أمام محاولات الإصلاح التي تبذل في التعليم، فقد تحولت الامتحانات من وسيلة تستهدف قياس تحصيل الطالب وتحديد جوانب القوة والضعف لديه، إلى غاية وهدف أساس لدى جميع المهتمين بالعملية التعليمية من معلمين وطلبة وأولياء أمور وغيرهم. مما يعد شكلاً من أشكال الهدر التربوي الذي يفقد المنتج التعليمي قيمته، وقدرته على المنافسة في المجتمع المعاصر بكل ما يحمله من تحديات، ويؤكد ذلك ما أشارت إليه دراسات عديدة إلى وجود قصور في الممارسات التقليدية للتقويم التربوي للتلاميذ منها اقتصار التقويم على الاختبارات التحصيلية التي لا تقيس إلا جانباً واحداً من شخصية التلميذ هو الجانب المعرفي مما جعل المعلمين يستخدمون طرقاً في التدريس يغلب عليها التلقين.

عدم اهتمام التقويم بالأنشطة والمشروعات التربوية التي تساعد على اكتشاف التلاميذ لقدراتهم واستعداداتهم ومواهبهم، مما يبعد التلاميذ عن روح المتعة في التعلم.

عدم اهتمام التقويم بتقويم ميول واتجاهات التلاميذ عن طريق الملاحظة، وكتابة التقارير عن - المتعلم، اقتصار التقويم على منتصف أو نهاية العام، هذا على الرغم من أن التقويم الجيد يقتضي - أن يكون عملية مستمرة تبدأ ببداية المقرر وتسير معه جنباً إلى جنب حتى يتعرف المعلم والتلميذ ما استطاع إنجازه وما لم يستطع إنجازه.

جعل العملية التعليمية كلها موجهة إلى خدمة الامتحانات وهو ما يترتب عليه انتشار ظاهرة - الدروس الخصوصية، وأيضاً انتشار الكتب والملخصات الخارجية، لأنهما يركزان على تدريب التلميذ على كيفية الإجابة عن أسئلة الامتحانات، وليس الاهتمام بتنمية جوانب النمو المتنوعة، تزيد من انتشار ظاهرة الغش في الامتحان.

وفي إطار ما سبق وفي ضوء الانتقادات وفي ضوء الانتقادات الموجهة إلى الاقتصار على استخدام الاختبارات التحصيلية في تقويم تدريس المواد الدراسية المختلفة والتي لم تعد تتناسب مع المتطلبات الراهنة والمستقبلية للتربية والتي من أبرزها إطلاق قدرات وطاقات المتعلم إلى أقصى مدى يمكن تحقيقه لبلوغ الإبداع والتميز، الأمر الذي دعا التربويين إلى السعي لتغيير ثقافة التقويم السائدة ليمسي التقويم البديل وسيلة فعالة لتنمية قدرات الطالب وتسليحه بالمهارات، والمعارف الحديثة التي تؤهله للاشتراك في مسيرة التحديث، وللانتقال من التعليم للامتحانات إلى التعليم للحياة ويعد التقويم التربوي البديل توجهاً جديداً في الفكر التربوي وتحولاً جوهرياً للممارسات التقليدية السائدة في قياس وتقويم تحصيل المتعلمين وأدائهم في المراحل التعليمية المختلفة، وهو تقويم متعدد الأبعاد لمدى متسع من القدرات، والمهارات ولا يقتصر على اختبارات الورقة والقلم، بل يتطلب من المتعلم تنفيذ نشاطات أو تكوين نتاجات تبين تعلمه، مما يسمح للمتعلم إبراز ما يمكنه من أدائه لمواقف واقعية، ومن ثم فإن ما يتم تقويمه هو أداءات حقيقية واقعية ترتبط بحياة التلاميذ وواقعهم وليس مجرد استرجاع حقائق ومعلومات منعزلة عنها، ويتم تلقينها داخل غرفة الدراسة، والتقويم البديل يهيئ المتعلمين للحياة فهو واقعي وأصيل لأنه يتطلب من المتعلم إنجاز مهمات لها معنى ويحتاج إليها في سياقات حياته الواقعية، وبذلك فهي تعده للعالم الواقعي بعد انتهائه من دراسته كما يتضمن حل مشكلات حياتية حقيقية. وللتقويم البديل مصطلحات عديدة منها التقويم الحقيقي، والتقويم الأصيل، والتقويم المعتمد على الأداء، والتقويم بملف التعلم.

أستاذ المناهج وطرق التدريس المشارك



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد