الأخت العزيزة (د) أسماء ع.م تلقيت خطابك (12 صفحة) وأدركت جيداً ما فيه وما تعانيه من: فرط الحساسية والميل إلى: الانطواء، أدركت ذلك وفهمته كما لو كنتِ تراجعيني لرسم منهج حياتك من جديد، وهذا كله دال على شعورك بالهم مما أنتِ فيه وهو مؤشر كبير يرمي أول ما يرمي إليه أنكِ تنفرين من ذلك كله.
وتصفين نفسك بعدم السعادة مع أنكِ طبيبة أسنان وبعدم الراحة في الحياة، وأنكِ تضطربين لأدنى توجيه أو مقابلة، وأنك ذات حساسية مفرطة تجاه الغريبات مع أن مؤهلك جيد 100%.
وتقولين (خلاص يا شيخ: طفشت خلاص) وبتحليلي لشخصيتك الداخلية بعد طول تأمل لخطابك (12 صفحة) تبين لي ما يلي:
1- الإيجابيات:
أ- تميلين كثيراً إلى: المثالية.
ب- لديك نزوع نحو: الجد.
ج- ذكاؤك عملي رفيع.
د- ذات نزوعٍ نحو: التجديد في الطب.
هـ- ثقافتك عالية.
و- محافظة ورزينة.
ز- دقيقة في العمل.
ح- لديك تأنيب ضمير إيجابي.
2- السلبيات:
أ- تقديم العجلة في النظر.
ب- عدم التوسط في الأمور.
ج- الشك.
د- عدم أخذ الأشياء بسجية.
هـ- حساسية مفرطة.
و- عدم توظيف الثقافة كما ينبغي.
والنتيجة 90% لوصولك إلى حال عالية من الحياة الصحيحة وذلك بسبب تضايقك مما أنتِ عليه وولعك الوصول إلى حال جيدة للإبداع والهناء والعطاء، و5% فقط لديك اكتئاب متقطع وهذا يعود إلى (تنافر واضح) لديك بين: القوة والضعف.
وأجزم أنك سوف تصلين إلى محطة يحسدك غيرك عليها من الطمأنينة والبذل الثقافي الجيد والنتائج الجيدة في (مجال طب الأسنان).
وتكملة للإجابة إليك هذا: الموقف فآمل تدبره ووعيه.
يقول أ.د خالد بن عالي المنيف أحد كبار أطباء علم النفس وخدمة المجتمع يقول نقلاً عن (كارنيجي) ما يلي: (بعثت إليّ -أديث أولرد- من مدينة - مونت ايري- بولاية كارولينا الشمالية كتاباً تقول فيه: كنت في حداثتي شديدة الحساسية شديدة الخجل، وكنت سمينة إلى حد ما، ولكن وجنتي كانتا تظهرانني بغير المظهر الذي أنا فيه، إذ إنهما كانتا تبديانني سمينة أكثر من الحقيقة، وإلى جانب هذا كانت والدتي تستقبح الثياب المكسمة على الجسد، ومن ثم كانت ثيابي جميعها فضفاضة، وقد نشأت بعيدة عن المجتمع بعيدة جداً ومنطوية على نفسي، لا أكاد أميل إلى شيء من ألوان السعادة والانشراح، وعندما ذهبت إلى المدرسة لأول مرة لم أتمالك نفسي وأشارك رفيقاتي ألعابهم ونشاطهم الاجتماعي، وعندما كبرت تزوجني رجل يفوقني سناً بعدة سنوات، ولكن حالي ظلت لم تتغير، كان أهل زوجي جماعة لديهم اتزان وثقة بالنفس، ومراراً حاولوا إخراجي من الانطوائية التي أنا فيها، ولكن دون جدوى، إذ أن كل محاولة من ناحيتهم كانت تزيدني إصراراً على تصرفاتي وتأكيداً لها، وأصبحت على مر الزمن عصبية المزاج شديدة التأثر، حتى كان إذا ما ضرب الجرس ساورني فزع شديد، وعلمت حينئذ بأنني فشلت في حياتي، وكان كثيراً ما يخيفني أن يعلم زوجي بهذا الفشل، ومن ثم كنت أتصنع البهجة والسرور لكي أبدو أمامه مرحة سعيدة بوجوده، وإذا أخذني إلى مكان عام مع قريباته كنت أيضاً أتصنع في تصرفاتي حتى ضاق بي الأمر وضقت بالحياة. ولكن ما هو الشيء حدث وغير مجرى حياة هذه: السيدة..؟
لنسمعها تتابع حديثها لنرى ما هو هذا الشيء (إن ملاحظة صغيرة غيرت مجرى حياتي كلها، فبينما كانت حماتي تتكلم عن أبنائها وكيف درجت على تنشئتهم إذ قالت في معرض حديثها: ومهما يكن من أمر فقد كنت أصر دائماً على أن ينطلق أولادي كل على سجيته ويتمشوا مع طبيعتهم المعقولة.. إن كلمة على سجيتهم هي التي لفتت نظري وأعادتني إلى: الوراء إذ إنني كنت أسير على سجية غير سجيتي التي كنت أطلبها وأتبعها.
وانقلبت حياتي بين يوم وليلة حين أطلقت سجيتي على هواها، جربت دراسة شخصيتي بنفسي لأتعرف على نواحي القوة فيها ونواحي الضعف ثم رحت (بإذن الله تعالى) أقهر شيئاً فشيئاً العادات الرهيبة التي لازمتني منذ بداية نشأتي) إلخ.
وبتأمل هذه الرواية ندرك يا أخت (أسماء) مدى أن يتحرر الإنسان من الحساسية المفرطة بأن يعيش على سجيته ويوظف إمكانياته لخيره وخير مجتمعه.
والتحرر من الحساسية ومن المبالغة في التكلف ومن فرط الشك إنما يكون بتربية الثقة وتربية الإرادة الواعية الفاعلة المنتجة المتجددة أبداً.
وكم تفيد هنا: (سورة النور) متى ما قُرئت بتدبر واستحضار فطنة ووعي وطول تأمل بعيد الفور.