Al Jazirah NewsPaper Friday  10/04/2009 G Issue 13343
الجمعة 14 ربيع الثاني 1430   العدد  13343
القنبلة الزائلة
ألكسندر كواستفيسكي.. وتاديوش مازوفيتسكي.. وليخ فاوينسا

 

كان الاتفاق بين الرئيسين الأميركي والروسي على إعادة تفعيل اتفاقية تخفيض الأسلحة الإستراتيجية سبباً في إحياء الآمال في إزالة الأسلحة النووية من العالم.. والحقيقة أن هذا الأمر مُلحٍ إلى حدٍ لا يمكن وصفه: ذلك أن الأسلحة النووية قد تقع بين أيدي دول قد تستخدمها، وقد تقع بين أيدي إرهابيين لا ينتمون إلى دولة بعينها.. الأمر الذي لا بد أن يؤدي إلى نشوء تهديدات جديدة بالغة الخطورة.

إن الحلم النبيل الذي راودنا منذ عدة سنوات في تطهير العالم من الأسلحة النووية لم يعد مجرد فكرة تحرك الشعوبيين ودعاة السلام فحسب؛ بل لقد تحول إلى تصور عملي يتبناه مهنيون محترفون.. ساسة مشهود لهم بالواقعية.. وأكاديميون معروفون بحسهم بالمسؤولية.

إن اختراع الأسلحة النووية - الذي ساعد في تحقيق هدف الردع أثناء الحرب الباردة، حين كان العالم منقسماً إلى كتلتين مناوئتين - نجح في تحقيق الغرض منه ودرء مخاطر بالغة في ذلك الوقت.. إذ إن أمن العالم كان يعتمد على توازن الرعب الذي عكسه مفهوم التدمير المتبادل المؤكد.

في ذلك العالم الثنائي القطبية كان امتلاك الأسلحة النووية مقتصراً على خمس قوى عالمية فقط، وكانت كل هذه القوى تنتمي إلى العضوية الدائمة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.. أما اليوم فقد اختلفت الصورة على مستوى العالم.. فقد كان نجاح حركة تضامن سبباً في انحلال حلف وارسو، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وبهذا فلم يعد للعالم الثنائي القطبية وجود وتلاشى معه الانقسام بين الشرق والغرب.. بَيْد أن النظام الذي كان قائماً على المبدأ الخطير المتمثل في الردع المتبادل لم ينشأ في محله نظام مؤسس على التعاون والتكافل.. بل أعقب زوال ذلك النظام زعزعة الاستقرار والفوضى، وما صاحب ذلك من شعور بعدم اليقين والحيرة.

لقد أصبحت الأسلحة النووية الآن في حوزة ثلاث دول منخرطة في صراعات: الهند وباكستان وإسرائيل. ونظراً لتطوير البرامج النووية في كوريا الشمالية وإيران فقد تصبحان أيضاً من الدول التي تمتلك السلاح النووي في المستقبل القريب.. وهناك أيضاً الخطر الحقيقي المتمثل في احتمالات توسع هذه المجموعة بحيث تضم دولاً لا تسترشد حكوماتها دوماً باعتبارات عقلانية.. ولا ينبغي لنا أن ننسى خطر وقوع الأسلحة النووية بين أيدي جهات فاعلة غير منتمية إلى دول، مثل الجماعات الإرهابية.

لن يتسنى للعالم أن يتوصل إلى نظام فعّال لمنع الانتشار النووي ما لم تكن القوى النووية الرئيسة، وبخاصة الولايات المتحدة وروسيا، حريصة على اتخاذ خطوات عاجلة من أجل نزع السلاح النووي.. إن مجموع الأسلحة النووية لدى هاتين الدولتين يبلغ 25 ألف رأس نووي - 96% من إجمالي الترسانة النووية العالمية.. مما يدعو إلى الأمل والتفاؤل أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يدرك هذه المخاطر.. ولقد لاحظنا بقدر عظيم من الارتياح أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تتجاهل رجال الدولة والعلماء المسؤولين الذين ينادون بإزالة الأسلحة النووية.. والحقيقة أن الهدف المتمثل في عالم خالٍ من الأسلحة النووية كان على رأس أولويات أجندة الإدارة الأميركية الجديدة فيما يتصل بالحد من التسلح ونزع السلاح النووي.. ونحن نقدر الاقتراحات التي تقدمت بها المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، مع الإشارات التي دللت بها روسيا في جنيف مؤخراً على استعدادها للبدء في نزع السلاح النووي.كان معارضو نزع السلاح النووي يزعمون عادة أن هذا الهدف بعيد المنال في ظل غياب النظام الفعّال اللازم للرقابة والتحقق.. ولكن السبل المناسبة للمراقبة والتحكم أصبحت الآن متاحة للمجتمع الدولي.. ومن أهمها سبل الوقاية والتحوط التي توفرها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.لا بد أن يتمتع العالم بالضمانات الكافية بعدم استخدام المفاعلات النووية المدنية لأغراض عسكرية - وهو الشرط الذي يتعيَّن على البلدان التي لا تمتلك أسلحة نووية أن تخضع له من أجل الحصول على التكنولوجيا النووية، كما اقترح مؤخراً رئيس وزراء المملكة المتحدة غوردون براون في إطار مبادرته الخاصة بعقد صفقة نووية عالمية.. ولقد أصبح هذا الأمر ملحاً على نحو خاص اليوم مع انتشار البحث عن موارد جديدة للطاقة و(نهضة) الطاقة النووية.

من المقرر أن يدعو مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في عام 2010 إلى صياغة الأولويات بصورة عاجلة.. وسوف تلتقي اللجنة التحضيرية في نيويورك في شهر مايو- أيار المقبل، وهناك ينبغي أن تتخذ القرارات الضرورية.. وتتلخص التوقعات الرئيسة في تخفيض مستويات التسلح النووي، وتقليص عدد الرؤوس النووية الجاهزة للإطلاق (إلغاء حالة التأهب)، وعقد المفاوضات بشأن معاهدة وقف إنتاج المواد الانشطارية، والتصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وغير ذلك من السبل اللازمة لتعزيز عملية تنفيذ معاهدة منع الانتشار النووي، وتبنيها على مستوى العالم.

لقد حان الوقت لإحداث تغيير جوهري في إجراءات مؤتمر نزع السلاح الذي يتخذ من جنيف مقراً له، والذي فشل على مدى سنوات في تلبية توقعات المجتمع الدولي.. والحقيقة أننا نؤيد الرأي الذي أعرب عنه الأكاديميون والساسة والخبراء الذين يشكِّلون مجموعة وارسو الدولية فيما يتصل بضرورة التفكير جدياً في اعتبار هدف تطهير العالم من الأسلحة النووية تماماً أساساً لأي اتفاقية دولية لنزع السلاح النووي في المستقبل.ولقد اعتمد التقرير الذي أعدته المجموعة تحت رئاسة آدم د. روتفيلد من بولندا الذي أعد مسودته العالم البريطاني إيان أنتوني من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تحت عنوان: (العودة إلى السيطرة على الأسلحة: منع الانتشار ونزع السلاح)، اعتمد على مساهمات عديدة من جانب محللين أمنيين من بولندا ومن البلدان النووية، فضلاً عن بلدان كانت تمتلك أسلحة نووية سابقاً (مثل جنوب إفريقيا) والجمهوريات السوفييتية سابقاً حيث كانت هذه الأسلحة مخزنة (بيلاروسيا، وكازاخستان، وأوكرانيا).. والحقيقة أن إخلاء هذه البلدان من الأسلحة النووية في إطار البرنامج الآمن لنزع السلاح النووي يشكل درساً قيماً في هذا السياق.

لا بد من وضع عملية نزع السلاح النووي تدريجياً موضع التنفيذ.. ولن تسفر هذه العملية عن نتائج إيجابية سريعة، لكنها سوف تمنحنا حساً بالاتجاه، وتتيح لنا الفرصة لتعزيز آليات منع الانتشار، فضلاً عن الفرصة لإعادة تأسيس نظام أمني تعاوني لا يعتمد على القوة النووية.

إن أخطر تهديد يواجه الأمن العالمي ينبع من موجة ذات نوعية جديدة من الانتشار النووي.. وتقع المسؤولية الأثقل في هذا السياق على عاتق القوى التي تمتلك أضخم الترسانات النووية.. ونحن على ثقة بأن الرئيسين الأميركي والروسي، وزعماء كافة القوى النووية الأخرى، سوف يظهرون الشجاعة وحكمة رجال الدولة فيشرعون قريباً في عملية تحرير العالم من التهديد النووي.. ولكن رغم أهمية هذا الهدف بالنسبة للنظام والأمن الدوليين، فلا يقل عن ذلك أهمية احترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، فضلاً عن ترسيخ الديمقراطية وحكم القانون على نطاق عالمي.

ألكسندر كواستفيسكي كان رئيساً لبولندا في الفترة من 1995 إلى 2005.. وتاديوش مازوفيتسكي كان رئيساً لوزراء أول حكومة غير شيوعية في بولندا (1989-1990).. وليخ فاوينسا زعيم حركة تضامن والحائز على جائزة نوبل للسلام (1983) وكان رئيساً لبولندا في الفترة من 1990 إلى 1995م.
«خاص الجزيرة»



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد