Al Jazirah NewsPaper Saturday  25/04/2009 G Issue 13358
السبت 29 ربيع الثاني 1430   العدد  13358
دمعة على ابنتي
محمد بن حمد المالك

 

الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}، أقولها وقد رأيت بعيني ابنتي زينب وهي تفارق الحياة وتودع الأحبة وتضع نهاية محزنة لزمن جميل، ما أقصر الزمن بين فرحة الأب بمولودته البكر وبين وداعها قبل أن توارى الثرى حتى لو امتد الزمن بين الموقفين لما يزيد عن خمسين عاماً، لكنها تظل قصيرة تتساقط فيها أوراق شجرة الذكريات أمام عينين دامعتين، تعيد بث ساعات سعادة طالما تكررت وأنا أتابعها منذ ولادتها لباكورة ابتسامتها لي أو عند حبوها أو لأول خطوة خطتها ولأول نداء هو الأجمل أطلقته في رقة الطفولة وهي تردد بابا.. بابا، حينما يتنافس الوالدان بانتظار هذا النداء أيكون الأول بابا أو ماما، وحينما تنطلق قلوبنا خلفها وهي تتراكض مع قريناتها يلعبن وكأن السماء تمطر حبوراً والشمس تشرق مبتسمة، وكأنها تشاركنا تلك اللحظات الجميلة التي لا تنسى أو عندما تبدأ مرحلة النضج وهي تكبر شيئاً فشيئاً حتى تحين مرحلة طرق الأبواب من الخطّاب لنختار منهم الأفضل وتتراءى أمام ناظري ليلة زفافها ثم تتوالى المواقف إلى أن تبشرني أنني سأكون جدّا عما قريب.

مواقف شكّلت في ألوانها الزاهية لوحة مشاعر الأبوة الحقة وازدانت هذه اللوحة الأجمل بخلق يتسامى عن الوصف في برها بي وبوالدتها وبحسن تعاملها مع زوجها وطيب علاقتها مع أشقائها وشقيقاتها وأقاربها وروعة رعايتها لأبنائها حتى غدت ليس في نظري فحسب بل في نظر كل من تعرف عليها مثالاً يحتذى في حسن التعامل ودماثة الخلق لتكون محبوبة الجميع.

نعم، ما أسرع الزمن يحيك ستار الخاتمة لتسدل مبكراً وكأنها استنفدت كل مواقف الطيبة ومُلئت كل القلوب تقديراً لها وإعجاباً بها حتى إذا جاء الخبر قبل أربع سنوات أنها تحمل في جسدها الطاهر مرضاً شديداً وقع الخبر على قلوبنا قبل مسامعنا وقع الصاعقة، تتسارع الأيام المؤلمة وهي تكابد وتعاني وتحاول إخفاء ألمها عنا بأمل ألا تجرح مشاعرنا وتكدر صفونا.. تتسابق طعنات المرض أيها أكثر إيلاما فلا تجد منها إلا حوقلة واسترجاعاً، وكل همها أن تسبق الزمن في بذل الخير الذي طالما أسدته لمن تعرف ومن لا تعرف حتى اشتهرت به. وبرغم معرفتي بقدر ما تبذله من إحسان إلا أن وفاتها كانت مؤذنة لنا بمعرفة الكثير مما خفي علينا من أعمالها حيث توالى الذين ينقلون إلينا ما لم نكن نتصوره كمّا ولا كيفا من الخير الذي كانت تبذله لتكون بحق فقيدة الكثير من الفقراء والمعوزين قبل أن تكون فقيدة لأسرتها. والحمد لله بكل حال، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته.

رسائل قصيرة

الرسالة الأولى إلى زوجتي أم منصور والدتها:

ليس أصعب من فَقْد ثمرة القلب، وأنا أشاركك الشعور، ولكني أذكرك بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث القدسي لملائكته: (أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا نعم. قال أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم. قال فماذا قال عبدي؟ قالوا حمدك واسترجع. قال ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد)، وأنت امرأة مؤمنة فلست بحاجة لأكثر من ذلك.

الرسالة الثانية إلى زوجها الوفي ابني العزيز إبراهيم:

رغم أنني فضلتك على الكثير ممن تقدم لخطبتها وافتخرت بك، إلا أن المواقف التي توالت حتى وداعها رحمها الله أكدت لي مرارا وتكرارا أنني وفقت لأبعد مدى في اختيار الرجل الأمثل والأنسب، فبيّض الله وجهك وجزاك عني وعن ابنتي - رحمها الله - خير الجزاء وألهمك الصبر والاحتساب، ويكفيك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (أن الله يقول ما لعبدي المؤمن جزاء إذا أخذت صفيه إلا الجنة).

الرسالة الثالثة إلى تركي وخالد وشقيقاتهما:

لقد أثبتت الأزمة التي صاحبت مرض والدتكم ثم وفاتها - رحمها الله - دليلا واضحا أن والديكم كونا أسرة مباركة. إن ما رأيته بينكم من مودة وما بذلتموه بكل تفان وإخلاص لوالدتكم والتزامكم بأخلاقيات المؤمنين عند المصائب هون علي المصاب شيئا ما. أتم الله لكم هذه النعمة وحفظ لكم والدكم الحنون وجمعنا وإياكم جميعاً بحبيبتنا أم تركي في الفردوس الأعلى.

الرسالة الرابعة إلى بقية أبنائي وبناتي:

وأنتم تودعون كبيرتكم ودرتكم الغالية لشد ما أعجبني تسليمكم بقضاء الله وقدره عاملين بقوله عز وجل: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} لقد كان في وقفتكم الصادقة مع شقيقتكم وزوجها وأبنائها وبناتها ما أشعرني بالفخر بكم، أدام الله بينكم هذه الألفة والإخلاص وحفظكم من كل سوء.

الرسالة الأخيرة:

لكل مَنْ تفضّل بمواساتنا في مصابنا وشاركنا الدعاء لفقيدتنا - رحمها الله - من أصحاب السمو الملكي الأمراء وأصحاب الفضيلة العلماء والمعالي الوزراء وأصحاب السعادة من وجهاء المجتمع وكل من واسانا حضورياً أو هاتفياً أو برقياً أقول: شكرا من القلب ودعاءً صادقاً أن يحفظكم الله بحفظه.

خاتمة

ابنتي زينب.. إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الله، كما أسأله تعالى أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجزيك خير الجزاء نظير ما بذلتيه في حياتك من خير وأن يثيبك على صبرك واحتسابك وأن يلهم الجميع الصبر والاحتساب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد