تكتظ العيادات النفسية في الآونة الأخيرة بالمرضى التي عجزت التحاليل المخبرية عن تشخيص حالاتهم، وحار الأطباء في أحوالهم؛ حيث يتخبطون في متاهات أنفسهم، وتنعدم لديهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، حتى أن اليقين يتزعزع في ضمائرهم ليصل إلى درجة التخمين، والجلاء يتلاشى في نواظرهم إلى الغموض، وكل منجز وإقدام يتقهقر إلى تراجع، بل إحجام؛ فتضيق بهم الأرض بما رحبت، ويصبح الكون الواسع في مخيلتهم كسَمّ الخياط، وتضيق عليهم أنفسهم، لكأنما تصعّد في السماء، ولسان حالهم كما يقول الشاعر:
|
فلا الناس بالناس الذين عهدتهم
|
ولا الأرض بالأرض التي كنت أعرف
|
ويغيب عنهم أن ملاك الذات الإنسانية، الروح والنفس والعقل والجسد، ولكل منهم منونته ومطالبه، ولا يحسن أن يبخسوا حق جزء ليوافوا الجزء الآخر.
|
ومطالب الجسد لا تخفى على أحد، ولكن مطالب الروح والنفس عصية على الفَهْم أحياناً، ومعرفة ذلك وإصلاحه لا يأتيان جزافاً، إنما الطريق إليه، الهداية والاطلاع والفَهْم، ولا يتأتى ذلك لأحد عن طريق الاستطلاع والتنجيم؛ فلا يسوغ لإنسان أن يعطل عقله أو يلغيه؛ لأنه مسؤول ومحاسب على أمانة عقله وضميره، وسائر شؤونه.
|
ومما يريح النفوس، ويلمّ شتاتها، ويُهدئ روعها ويبعث الطمأنينة فيها، توثيق الصلة بينها وبين خالقها، ومن ذلك التأمل في ملكوت الله ومخلوقاته، وبدائع صنعه، فلا تسلوا سلو البهائم وتكتفي بالطعام والشراب وسائر متطلبات الجسد.
|
والتركيز على السبب الذي خلقنا الله لأجله قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، والعمل الجاد للغاية التي يسعى إليها كل مسلم (الجنة).
|
عندها تهون كل نازلة، ويصغر الخطب الجلل؛ لأننا نعي وندرك أن هذه الدنيا ممر، والآخرة هي المقام والمستقر.
|
|
دع الأيام تفعل ما تشاء |
وطب نفساً إذا حكم القضاء |
ولا تجزع لحادثة الليالي |
فما لحوادث الدنيا بقاء |
- القريات |
|