إن التراث الشعبي في فلسطيننا الأبية بكل اتجاهاته ومفرداته يتعرض لهجمة شرسة من الصهاينة. هجمة صهيونية استيطانية واستيلابية لمفردات التراث الفلسطيني العربي، فالصهاينة يحاولون نسبة نماذج التراث الشعبي والتاريخ في فلسطين إلى تاريخهم اليهودي والإسرائيلي المزيف. لذا من واجبنا كعرب ومسلمين وفلسطينيين أن نقف جميعاً في وجه موجة النسيان لهذا التراث العربي الفلسطيني من قبل الجيل الحالي والأجيال القادمة.
ولأن الأمثال هي ذاكرة الشعوب وحافظة تجاربهم وخبرة أجيالهم وهي ترجمة صادقة للحس الشعبي المصاغ باللهجة المحكية. فقد انتشرت الأمثال نتيجة حادثة معينة لشخص ما.. ومع مرور الأيام يصبح المثل ملكاً لعامة الناس يرددونه في الحالات المشابهة للحالة التي قيل فيها. وأمثالنا الفلسطينية الكثير منها يحمل صفات الحكمة، وتتفق إلى حد ما مع شبيهها من الأمثال العربية الشعبية نتيجة تشابه الأجواء واللغة والتاريخ والأحداث.
لدينا كفلسطينيين الكثير من الزاد الثقافي والفكري بما فيه من مجازات وكنايات ورموز وأمثال.
المثل واعتنائه بالصحة والغذاء والمثل الشعبي الفلسطيني ينطوي على كثير من الوظائف الحياتية التي تتعلق بالإنسان والمجتمع والعادات والتقاليد والمعارف والفكر عن الكون والحياة.. واعتنى المثل الفلسطيني بقواعد السلوك الصحي- والغذائي- والعلمي.
وقد ربطت الأمثال الفلسطينية بالنصائح الصحية مع الإيمان، مثل:
- (كل مع الكافر ولا توكل مع طويل الأظافر).
- (الذبابة ما بتضر بس بتغلث على المعدة) وهو إجراء وقائي لتغطية الطعام..
- (لا تأكل وإلا وأنت جعان، ولا تشرب إلا وأنت عطشان، ولا تنام إلا وانت نعسان) يوجه المثل إلى ضرورة الأكل عند الجوع وعدم الإكثار من الطعام والشرب بعد الطعام..
- (إتعشى واتمشى وإتغدى واتمدى) (اتغدى واتمدى لو رمشتين، واتعشى واتمشى لو فشختين).
وقد تحدث المثل الشعبي الفلسطيني عن العديد من النصائح والمشورات الصحية المتعلقة بعادات النوم والسهر والطعام التي تقي صحة الإنسان مثل: - (برد الصيف أقصى من حد السيف).
- (شمس الربيع تؤذي الرضيع)،- (البرد والقلة أساس كل علة)،
- (السهر سوس العظام).
وقد أخذ المثل طرائقه العلاجية من الخبرات. و الكثير من توصيفات الحالة بالمرضى (العيا- عيان) من الأعياء. وضعف القوة والاجهاد (أما المطروح) فهو نزيل الفراش. والعارض من الأمراض (السارية- والبلا) مرض عام مثل الوباء.
وفي العلاج مثل: - (الطفل إذا بكى يا جوع يا موجوع).
- (إن أوجعك رأسك اكرمه، وإن أوجعك بطنك إحرمه).
- (اول الرشح إفرش ونام، وآخره روح للحمام).
- (الثوم قتال السموم)،- (آخر العلاج الكي).
وفي التأهيل: لا ينسى المثل نصائحه الطبية بعد العلاج فيقول:
- (تغير الهوا أحسن من الدواء)،- (نام بكير وقوم بكير وشوف الصحة كيف بتصير).
ويعرف المثل الشعبي أن الصحة والعافية أكثر ما تكون ارتباطاً بعادات الأكل والتغذية فيقول:
- (رز ولبن عافية على البدن)،- (إن قل الضاني عليك بالقطاني) والضأن هو اللحم والقطاني الحبوب التي تضاهي اللحم فائدة
(كالفول). وفي الزيت قيل:
- (كل الزيت وناطح الحيط).
- (كل الحلو واشرب عليه، وكل الحامض واصبر عليه).
- (الخبز الحاف يعرض الكتاف).
وفي نقاء الهواء والصحة الطبيعية يقول المثل:
(نام في البرية ولا تنام جنب طاقة مهوية).
وفي أهمية الشمس للجسم وصحته يقول المثل:
- (خذ حم الشمس من تحت الغيم وخذ النبت من تحت الظيم).
- (والبيت اللي بتدخله الشمس ما بدخله طبيب).
والأمثال الشعبية الفلسطينية تحذر من بعض الأمراض وآلامها الحادة:
- (ما هم إلا الدين ولا وجع إلا وجه العين)،- (ما هم إلا العرس ولا وجع إلا وجع الضرس).
وإن فائدة الأمثال الصحية ليس في توفير المعلومة الطبية بقدر ما هي في ترسيخ العادات الصحية السليمة.
الحجر في الأمثال الشعبية الفلسطينية
وقد حظي الحجر في المثل الشعبي بمجموعة من الأمثال الوصفية والحسية، كان في بعضها مثالا للقسوة وفي بعضها الآخر مثالاً للمكانة الرفيعة، في بعضها إيجابياً وفي بعضها الآخر سلبياً.. فالحجر في موقف للرهبة والاعتزاز بينما في موقف آخر مثال للاحتقار والدونية.
وبقي الحجر في جميع حالاته مرافقاً لمسيرة الفلسطينيين فقد استوطن وعيه وذاكرته من خلال العديد من الأمثال الشعبية. فالحجر مثال للقسوة والجحود واللامبالاة حين يقال: (قلبي على ولدي وقلب ولدي علي حجر). وأحياناً يقفز الحجر إلى حالة من الاعتزاز الموضوعي يقال:(الحجر في مطرحو قنطار). فمهما كانت قيمة هذا الحجر وحجمه وأهميته فإنه يساوي قنطاراً عند حاجته ولا يعادله شيء في ذلك. وعدم الاستهانة بهذا الحجر، مهما كان صغيراً حفظتها الذاكرة الفلسطينية (الصرارة بتسند جبل) لأن هذه الصرارة مهما كان حجمها وتأثيرها فلها موقعها وأداة فعلها واستعمالها حيث إن (الجبال من الحصى). والحجر في المثل الشعبي الفلسطيني هو الأداة المرتبطة بفعل فاعل. فلا دور للحجر باعتباره حجراً إلا بمقدار استجابته لأداء دوره في البيئة والحياة العامة. الحجر عاجز عن الفعل المؤثر وموجه حسب إرادة راميه ،غير أن فعل هذا الحجر وتأثيره يظل تابعاً لأهداف ووعي من يحتمل مسؤولية استعماله. (مجنون دب حجر بالبير- ومائة عاقل ما عرفوا يطلعوه). وقد نبه المثل إلى ضرورة الوعي في استعمال الحجر لأن (المجنون مل بتسلم حجر). وقد أشاد المثل الفلسطيني إلى أن قسوة الحجر تهون أمام الحالات الإنسانية والاجتماعية الراقية. مثل: (عليك بالجار ولو رجمك بالحجار) ويوضح أن الاهتمام بالجار يفوق قسوة استعمال الحجارة. وإن هذه القسوة تهون أمام الحرص على العلاقة الإيجابية الحسنة بين الجيران يقول المثل: (اللي بيته من كزاز ما يضرب على الناس حجارة) وهذا المثل يوضح الحرص على أن تسود العلاقة الجيدة بين الناس.
وقد حفظت الذاكرة الفلسطينية من خلال أمثالها دوراً إيجابياً قادماً لذا فلا يجوز الاستهانة به أو التفريط فيه، لأن (حجارة الصيف ينفع للشتا) (وحجر على حجر نبني دار).
وقد ركز المثل الشعبي الفلسطيني على ضرورة تحفيز الإنسان من أجل استثمار الفرص وعدم إضاعتها هباءً. (يضرب عصفورين بحجر). لذا عليه أن يستفيد من الفرص. والحجر يدخل في كثير من الأمور الحياتية في فلسطين مما جعله قريباً منه في بيئته وحياته. فهو يستعمل لبناء البيوت/ ولحفظ التربة من الانجراف/ وهناك حجر (الطاحون) الذي يستعمل في طحن القمح والعدس والفول وغيرها من الحبوب، وهناك الحجر (الدارس) الذي يستخدم في تحضير زيت الزيتون/ وحجر (القصة) الذي يستعمل مكاناً للجلوس والسهر في ليالي الصيف/ وحجر (جرن الكبة) الذي يستعمل لدق اللحمة عند عمل الكبة. وإن دور الحجر في النضال الوطني الفلسطيني وانتفاضته ضد الصهاينة لم يكن مفاجئاً للذاكرة والوعي الشعبي الفلسطيني/ فالحجر منذ الكنعانيين الأوائل له دور مهم في حياة الفلسطينيين سواء كانوا في الجبل أو السهل أو الغور.فقد تسلم الفلسطينيون الحجر وأحسنوا استعماله، واكتسب أهميته من سواعدهم، ومن الأهداف التي من أجلها يضربون الحجارة.
عضو الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين
wasilah@maktoob.com