من ثقافتنا العربية الإسلامية التليدة ألا نبغض أو نضر سوءاً لأحد أو نعتدي بالقول أو بالفعل على إرادة وخيارات أحد، ومن سياستنا الراسخة الحفاظ على الأخوة الإسلامية وسلامة بنائها من منظور هويتنا الثقافية وتراثنا الحضاري، ومن عادتنا ألا نتخلى عن عون ومساعدة أحد في حدود الممكن والمتاح.
ونحن ملتزمون بالثوابت في العقيدة... وبروح علمية وبمنهجية تطورية في التفاعل المتبادل مع الآخر، وبفهم أن الآخر في عملية الاتصال الجماعي خياراته التي يحددها وفق إدراكه وأفعاله، ونحن على يقين من أن هذه الخيارات توجهها عملية التصوير الذهني لنتيجة ما مرغوب فيها لديه، وهذه هي سياسة المملكة العربية السعودية منذ توحيدها على يد المغفور له إنشاء الله الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وسار على دربه أبنائه البررة حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
تهيئ لنا هذه المقدمة المعيارية مدداً علمياً قاعدياً في قضية تؤرقنا لنضع لها حلاً جدير بالنظر والتأمل فيه فضلاً عن أنه يتجه بأفكارنا تجاه المزيد من البحث عن حلول مناسبة لقضية خلافية سياسية ذات مرجعية ثقافية تتعلق بهيمنة ثقافية (سياسية) يعتبر أصحابها (قوهماً) أنها الثقافة (السياسية) الأسمى والحقيقة أنها الآن هي محل مناقشة وحوار إقليمي وعالمي تأييداً أو معارضة.
إن القضية المحورية الجدلية المثارة الآن بتحفيز من الموالين) هي قضية نشوء وأبعاث الإمبراطورية الإيرانية. وإزاء ذلك مهما كانت لطهران اهتمامات بالعلاقات العربية وبدول المنظمة فنقطة الانطلاق لذلك هي التلاقي في الغايات الاتفاق في الأساليب وحتماً لا تنفصل الغايات عن أساليب تحقيقها.. وأنى لها هذا وهي المتمركزة حول الذات المتاهية بشدة غريزة التملك، وتعظيم الاتجاهات الصراعية، والزهو برغبة توسعية حقيقة قائمة على الاستيلاء المادي والمعنوي على حقوق الآخرين وهذا ما حدث في استيلائها على الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى).
إن هذا الفهم التوسعي وسلوك الغطرسة في الاستيلاء على حقوق الآخرين وإرادة الهيمنة هي نقاط الضعف الأكيدة في العلاقات القائمة بين طهران والدول العربية فليس لها من حل حتى الآن فلا ترتيبات ولا تفاهمات حول الوضعية الراهنة.
ويفهم من هذا أن أطماع طهران لا حدود لها والتي تدور حول الخليج والشرق الأوسط ويدعم ذلك حلفاؤها في المنطقة والذي امتد إليهم نفوذها وكما قيل في بضع وسائل الإعلام أن نظام طهران فقد السيطرة على مجريات الأمور، وفقد القدرة على تصويب أخطائه وإصلاح ذاته.
إن طهران لا زالت مستمرة في استمرار ما بدأته في محاولات بسط الهيمنة على المنطقة وتعمل على تغيير الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، واصطناع الأحداث ورفع سيف التهديد.
وهذا ما نراه في نظام طهران حيث نراه ساعياً لتنصيب نفسه كقوة عظمى في المنطقة. وهو يسعى دوماً ليغرسه واقعاً كما يفرض توجهه في امتلاك السلاح النووي، والذي بلغ فيه شوطاً كبيراً، يمكنه أن يهدد به المنطقة بأسرها كناية في أصحاب (اليد الممدودة).
وكم كان وراء المتورطين في اختراق الأمن القومي للشقيقة مصر، ولكنه بما نعرفه من حكمة النظام المصري فقد استطاع أن يتصدى لمحاولة الاستدراج لفخاخ المؤامرة التي نددت بها العواصم العربية كلها فيما عدا الموالاة المتحالفين معه في إثارة القلاقل والفتن والنزاعات والفوضى مما يؤثر في امتلاك القدرة والقوة على مواجهة الأزمات والأخطار التي تحدق بنا وبالأمة العربية قاطبة.. وهذا ما تأمل فيه القوى المادية وتفرح وتهلل له.. فماذا علينا أن نفعل إذن؟
صفوة القول إن المجتمع السعودي ليس أسير ثقافة سياسية جامدة أو خارج التاريخ أو خارج النطاق إلا أنها تجسد ظواهر وقضايا المجتمع الحياتية التي تؤرقه وسبل تشخيصها ووضع المعالجة المناسبة لها، وحينئذ تغدو الثقافة السياسية السائدة دالة على ما يشغل عقل المجتمع أو أنها تشغل حيزاً وتحتل أولوية في عقله ووجدانه ويرصد لها جهده.
وحول السؤال المطروح (ماذا علينا أن نفعل؟) أضع اجتهاداً قابلاً للتفكير نلتمس فيه حلولاً علمية بعيداً عن التهويمات العاطفية ذات الوجدان الملتهب أو أنها خارج الزمان التاريخي أو أنها موضوعاً للجدل يغيب عنه الفعالية والتجدد الاجتماعي والنظرة التطويرية والدينامية ونوجزها فيما يلي: أولاً: علينا بالوعي بما يدور في ذلك المشهد التآمري الخطر البغيض، ونعرف مدى خطورته علينا، والوعي كذلك بمخططاته وبرامجه العدوانية التوسعية، ووسائله الخادعة التي يتبعها في تحقيق غايته.
ثانياً: الاعتماد على الله ثم على أنفسنا وإمكاناتنا وإرادتنا القوية إيماننا الجازم بقدرتنا في حماية كياننا وثرواتنا وقدراتنا ومناهجنا الخاصة باستدامة التنمية الشاملة وحماية مصادر دخلنا واستثماراتنا ومؤسساتنا العلمية ودعم المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية.
ثالثاً: النهوض بإمكانات علمائنا وخبرائنا ومثقفينا للتعريف بقوى البغي المتربصة بنا وبالأمة العربية جمعاء والتصدي لموجات التضليل والخداع تارة باسم الأصولية المذهبية وأخرى باسم المعاصرة الحداثية ومرة باسم الاستقلالية الوطنية وأخرى باسم التبعية الاعتمادية.
رابعاً: فهم أبعاد قضية الصراع الأساسية وأن حل هذا الصراع يمكن في أمرين متلازمين:
1 - المضي في مسيرة التنمية المستدامة حسب التراتبية الحسابية والواقعية.
2 -حفز إرادة التفكير لبلوغ قوة وصالح الأمة العربية مستبصرين بالحقائق وليس بالتضليل والخداع.
خامساً: صقل وبناء الشخصية الوطنية والعروبية والتقدم في الفكر والعلم والمنهج والتنظيم واستخلاص المعنى وانتقاء الاختيارات واستثمار المعطيات، والتأني عن المساجلات التي لا تعكس سوى المراهقة الفكرية، والسقم المعرفي والوهن والإدراكي.
إننا في حاجة لكشف الخطر الداهم وفوضى التفكير وارتجالية السلوك وضبابية الرؤى... وضلالات الدهم والخيال.