Al Jazirah NewsPaper Friday  01/05/2009 G Issue 13364
الجمعة 06 جمادى الأول 1430   العدد  13364

الفتاوى بين التأصيل والتضييع
محمد بن صالح بن سليمان الخزيم

 

يشرف المرء بشرف العلم الذي يحمله وأشرف العلم الوحي الرباني والمفتي ينطق بذلك العلم ويهدي به الناس ويرشدهم إليه وهو بفعله يوقع عن الله تعالى بين خلقه وقد قيل: المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم: لأنه يبلغ إرث النبوة بأمانة وإخلاص.

ومن تبوء هذه المنزلة لزمه أن يعد لها عدتها، ويتأهب لها أهبتها، ويعلم قدر المقام الذي أقيم فيه فلا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه والفتوى ليست مجرد حكم يتفوه به بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنية إذ بالنية يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم، وبالنية يكون العالم أول ثلاثة تسعر فيهم النار يوم القيامة لأنه قرأ ليقال قارئ فالنية يعرف فيها ما كان لله وما كان لغيره.

إن الفتوى المستنبطة من الهدي النبوي إحدى دعائم المجتمع إذ بها يبقى شامخاً متزناً ومترابطاً، لا اضطراب ولا تنازع ولا اختلاف، وحاجة الناس للشريعة الصحيحة أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب إذ بها حياة القلوب وانشراح الصدور.. وما أرسل الله نبياً إلا لإحياء القلوب فبالوحي تحيا حياة سعيدة، ويخالجها الانشراح والسرور، فلا يمكن أن يحييها إلا من برأها ويعلم مستقرها ومستودعها. وما علم أن نبياً أرسل لتعليم الناس الصناعات والحرف والزراعات.

وإذا علم هذا فالفتوى الصحيحة ما كان عمادها الدليل الواضح أو التعليل الناصع، ودافعها بيان الحق، وهداية الناس، ولكن عندما تدخل الشوائب نية المفتي ويتغير الهدف تضطرب المجتمعات وتفرق الجماعات ويقع الاختلاف وتدب التجاذبات وتنمو الحزبيات فتصاب الأمة بالوهن وتنشغل بذاتها وكل يدعي الحق في فتواه ناهيك عن هدر الطاقات وتذبذب الأفكار وإيغار الصدر، وما يدور في الساحة الآن إلا من هذا النوع.

وكأن التاريخ يعيد نفسه لما تنازعت أمة الإسلام في سابق عهدها بعد عصورها الذهبية وتطاولوا بالحجج والجدال النابع عن قناعات لا على أصول وثوابت فانشغل بعضهم ببعض وانصرفوا عن بناء أنفسهم ومجتمعهم فكان الهدم رائدهم ومناصرة الهوى غايتهم. والسبب أنه دخل مجال الفتوى من لا يعرف أدب الفتيا وشرطها رغبة في الظهور أو أنه لا يدرك نتائج الفتيا ونسي أو تناسى أنه تحرج عن الفتيا من هو خير منه ممن تضرب إليهم بطون الإبل لغزارة علمهم وفضلهم.

بل قد لا يكترث بأصل سد الذرائع الذي هو أصل في حماية الشريعة وصمام أمانها فولدت تلك الأقوال ما لا تحمد عقباه، بزعمه أنه فرج عن السائلين وحقيقته أوقع نفسه بالكرب العظيم.

وعلى ضوء هذا لنا وقفات:

أولاً: التهافت غير المبرر على الإفتاء فمن تدبر الواقع رأى كثيراً من المتصدرين للفتوى والخائضين غمارها لا علم عنده أو عنده نتفاً لا تخوله الصدارة فأقواله في عداد الإجابات الاجتماعية أو الثقافية لا الشرعية وقد قيل: (قل من حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب أمره) لأنه بمسارعته عليها حرم سماع الفائدة من غيره.

إنه واقع مر فما أن يسمع الواحد السؤال حتى يجيب غير مستند إلى دليل أو تعليل ربما استشهد بأقوال ميتة لاحظ لها من النظر وربما أجاب عن مسائل لو عرضت على عمر لجمع لها أهل أحد ليتدارس أمرها. وهناك من نصب نفسه مفتياً في كثير من الميادين وأقحم هاتفه في السهول والفيافي شوقاً لبث الفتيا فكأنه يقول اعرفوني وأجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً.

ويعظم الأمر ويشد الكرب عندما يكون الإفتاء عبر الفضائيات ونحوها فإن القاصي والداني سواء في سماعها ولا يمكن معه استدراك ما فات وكان السابقون يتحرون حتى أن الإمام سحنون أخطأ الفتوى فامتنع شهراً لا يجيب أحداً بحثاً عمن أفتاه ليصحح له فلما وجده عاد للإفتاء. فتحرى السابقون في الإفتاء مع أنها لا تتعدى محيطهم ومثل هذا أولى به أهل زماننا لأن وسائل الإعلام ذاع صيتها وسار بخبرها الركبان فالواجب: (التحري لا التجري).

ثانياً: من علم المفتي جرأته على قول لا أدري فمتى ما التبس الأمر ولم يتضح الحكم فالنجاة بقول لا أدري إذ بها العصمة من الزلل وحماية الشريعة من الخلل فالتأخر حينئذ خير قال عمر رضي الله عنه في كتابه لأبي موسى الأشعري: (إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فقدم وإن شئت أن تتأخر فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيراً لك).

فهل نتحرى كعمر مع أنه المسدد الملهم؟ وهذا سفيان بن عيينة عالم أمة كان لا يفتي في الطلاق ويقول من يحسن هذا فكيف بنا؟

وسئل الإمام مالك عن ثمان وأربعين مسألة فتوقف عن ست وثلاثين مسألة ولم ينقص قدره فإذا ذكر العلماء فمالك النجم وكان البلقيني المتوفى في (805هـ) يؤخر الفتوى ذا أشكل عليه منها شيء إلى أن يحقق أمرها.

وإمامنا الزاهد ابن باز سئل عمن قام إلى ركعة رابعة في صلاة المغرب لعدم قراءته الفاتحة في الركعة الثالثة فقال للسائل: (أمهلنا ثلاثة أيام حتى نبحث هذه المسألة) فأعظم الله قدره ولمع نجمه.

من لي بمثل سيرك المدلل

تمشي رويداً وتجي بالأول

إذاً السرعة من غير أهلها مثلبة لا منقبة واعلم أن المفتي مبلغ لا مشرع وما عليه أن يتوقف إنها صفة العلماء الربانيين.

ثالثاً: زلة العالِم تزل بالعالَم: إن التروي في إصدار الأحكام تزرع الثقة والطمأنينة في النفوس وفيها حصانة من الزلل وفرصة لتدبر الحادثة قبل إصدار الحكم وقد قيل: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره).

ولاشك أن الخطأ وارد لسوء فهم أو لسبقة لسان فيتولد عنه سرعة تناقل الحكم وربما وافق هوى وقد قيل (زلة العالم يضرب بها الطبل) وأقول إنها عبر وسائل الإعلام تضرب بها الطبول. لاتساع دائرة بثها في المعمورة ولا نسلم له قوله إن فلان قال بهذا إلا بعد تثبته فيه وعرضه على الحجج والبراهين والمصطلحات الفقهية لأن القول الشاذ ليس مسوغاً لنا للأخذ به وليس كل ما دونه العلماء لنا الأخذ به بل الحق أبلج وقد قيل: (الحق يعرف بالحق لا بالرجال) وقال مالك: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن العجب أن البعض يزل الفتوى فينافح ويكافح عن رأيه مكابرة كأن الحق حليفه وحقيقته لا بدليل استشهد ولا بتعليل استرشد.

وتدبر قول الشافعي: (ما ناظرت أحداً إلا أحببت أن يوفق ويسدد) وهو شعور كل عالم رباني.

وتعظم الزلة إن كانت في باب العقائد ومهما يكن فهي زلة على اسمها يزل بها خلق عظيم وتهدم الدين وشبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير.

ومن تلك الإنكسارات والزلات: من أفتى بجواز رضاع الموظف من زميلته الموظفة وبه تنتشر الحركة فتكون أختاً له من الرضاع ويرتفع الحرج بينهما إنها زلة كبرى منها أراد إصلاح العمل وحقيقته إفساد الأهل والولد واختلاط لنسب فكم غرق بها من صاحب هوى.

وآخر يفتي بجواز غناء المرأة أمام الرجال بشرط أن لا تتمايل والتعليل كيف نحرم الغناء وقد شرّبت به قلوب الأفارقة. إنه تعليل عليل، يجري على ما هو أعظم من ذلك كالزنا وشرب الخمر وغيرها مما تشربت بحبها قلوب أهل الهوى!!

وثالث يرى جواز الأضحية بالدجاج بدل بهيمة الأنعام إنه حكم لم يسبق إليه، مخالفاً به السنة والكتاب وغيرها مما يتعجب منه طالب العلم قبل العالم. ومن الأسف أنه تردى في وحلها كثير من أهل الشهوات وباء بإثمها أهل الشبهات والله المستعان.

رابعاً: إذا كان أصحاب تلك الفتاوى يزعمون تيسير الشريعة فإنا نقول هذا تضييع لا تيسير لأنه انسلاخ من التكاليف والإسلام لا أغلال فيه ولا أواصر بل شريعة سمحة بذاتها مقارنة بالأديان الأخرى إذ من مبادئه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها أما إن كان القصد مجارات أهل الأهواء فلن يرضوا إلا بالانسلاخ من الدين نعم التسامح وعدم المشقة مطلب شرعي لكن وفق ضوابط وقواعد فقهية.

قال سفيان: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد) وقال عمر بن إسحاق عن الصحابة رضي الله عنهم: (ما رأيت قوماً أيسر سيرة ولا أقل تشديداً منهم) ولن يجد المسلم أفضل من تسامح المصطفى صلى الله عليه وسلم، اعلم رحمك الله أنه (ما أمر الله بأمر إلا كان للشيطان فيه نزعتان إما إلى غلو أو تقصير ولا يبالي بأيهما أدرك).

فتوسط الطريقين تسلم وتغنم. ولا تكن بهارج الحياة الدنيا رائدك فتغمس الشريعة في خضم الانفتاح الحضاري وتلوي أعناق النصوص لتساير الانفتاح من غير دراسة وتأصيل والحق تنزيل القضايا والمستجدات على الإسلام لا تنزيله عليها.

وخلاف ذلك فيه إذابة الدين وتضييع أحكامه والله المستعان.

خامساً: الحجر لاستصلاح الأديان أولى من الحجر لاستصلاح الأبدان وإن كان مبدأ صحياً لأن الحجر لاستصلاح الدين أولى وأحرى لأن فيه حفظ العقول وحماية الدين واستقامة الحياة. إذاً واجب أهل النفوذ والسلطة حماية الدين من تقول المتقولين.

وفتاوى الماجنين وليس بدعاً أن يقوم ولي الأمر بالحجر والتأديب لمن أفسد على الناس دينهم لأن فيه حماية لبيضة الإسلام وحق الرعية وإذا كان أصحاب القانون لا يرتضون أن يخالف دستورهم فالشريعة السماوية أولى.

وليس فيما نقول تحجير لواسع ولكن يعطى الزمام لأهله كما أن الطب بيد أهله وكذا الهندسة والزراعة وغيرها من الفنون.

وفي السابق قصر بنو أمية الفتوى في الحج على عطاء بن أبي رباح وحصرت الفتوى في المسجد النبوي على مالك بن أنس.

وخطب زياد في الكوفة قائلاً: (إني بت ليلتي هذه مهتماً بثلاثة بذي الشرف وذي العلم وذي الشيبة لا أوتى برجل رد على ذي شرف ليضع بذلك شرفه إلا عاقبته ولا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك علمه إلا عاقبته ولا أوتوي برجل رد على ذي شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته إنما الناس بأعلامهم وعلمائهم وذوي أسنانهم). بهذا يحفظ الدين ويبقى الآداب وتعلو الأخلاق وقال ابن الجوزي: (ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الراكب وليس له علم بالطريق وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل أسوأ حالاً منهم) والواجب الوقوف أمام هذا الموج الجارف والجرح النازف بالحد من تقول من لم يعرف بعلم مؤصل أو عرف بأنه صاحب هوى أو من عرف بتتبع الأقوال الشاذة والميتة بالإضافة إلى تحديد مرجعية تؤول إليها الفتوى ويتولى أمرها من يشهد لهم بالعلم والفضل.

بهذا تلتئم لحمة الأمة وتتوحد الكلمة ويتوحد الهدف والله الموفق.

- مدير المعهد العلمي بالبكيرية


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد