Al Jazirah NewsPaper Sunday  10/05/2009 G Issue 13373
الأحد 15 جمادى الأول 1430   العدد  13373

الشعر الشعبي اليوم

 

في عصرنا الحاضر كثرت الأمسيات الشعرية والمسابقات التي تنظمها جهات تهتم بهذا النوع من الشعر.. فلا تمر ليلة إلا ويوجد هنا وهناك أمسيات شعرية، إذاً والحالة هذه إننا نعيش اليوم طفرة في مجال الشعر الشعبي أو كما يحلو للغير أن يسميه الشعر النبطي، والشعر النبطي هو رافد من تراث الجزيرة العربية يوم كان شعاره يدلون بأشعارهم متدفقة حكمة وتجربة، أما اليوم فكثر الشعر الشعبي وانعدم الكيف، وكان لكثرة مجال الشعر الشعبي في الساحة أسباب متضافرة سأذكر منها ما يلي:

1- تباهي القبائل بكثرة شعرائها كما ونوعا.

2- حب الشهرة والجماهيرية ولو كانت هذه الشهرة خالية المضامين.. وما هي إلا حشو كلام.

3- قلة معرفة المتلقي والمستمع لما هو جيد وما هو رديء.

وإذا أتينا اليوم لنتفحص مضامين الشعر الشعبي اليوم الموجودة على الساحة؛ لوجدناها ما هي إلا نظم لا شعر!

وهناك فارق كبير بين الشعر الذي تدفعه العاطفة وتلح على صاحبها بتسطيره، وبين شعر النظم الذي يسطر بسبب موقف أو حادثة طلب من هذا أو ذاك أن يقول فيها شيئا.. ولا أرى في الساحة غير هذا.

وإذا شئتم أن تعرفوا الفرق بين شعراء الأمس واليوم فقفوا معي مشكورين لأدلل لكم على جودة شعراء الأمس واقرؤوا إن شئتم قول أحدهم وهو محمد بن أحمد السديري (رحمه الله) حينما يتكلم عن معدن الرجال حيث قال:

كم واحد له غايةٍ ما هرجها

يكنها لو هو للأدنين محتاج

يخاف من عوجا طوال عوجها

هرجة قفا يركض بها كل هراج

يقضب عليك المخطية من حجحها

حلو بناه وقلبه أسود من الصاج

إذا قرأنا شعرا كهذا وجدته طافحا بالحكمة والقول السديد الذي كان لصاحبه ولغيره ممن موقفه كموقف ذلك الشاعر.

وإذا شئتم اقرؤوا قول الشاعر الآخر عبدالعزيز بن عيد الملقب بالعزي حيث يصف الدنيا فيقول:

لا تامن الدنيا ولا ترتهى به

تقبل وتعطي عند الإقفاي عرقاب

إن أدبرت قصت محوص قطيبة

وإن أقبلت فادنى لها شريط لها جاب

رحمك الله أيها الشاعر فكأنك بهذا البيت الأخير جمعت حكمة الدنيا ببيت واحد، ولا أعتقد أن الدنيا وأحوالها سوى ذاك.

واسمحوا لي أن تقرؤوا معي قول الشاعر الخلاوي من واقع تجاربه:

يلومونني هلي وهذي طبايعي

ولوم الفتى عقب الشيب قبيح

إلا هبت أنسام السعود مع الفتى

مليح وما حاشت ايديه مليح

وإن سكنت أنسام السعود عن الفتى

لو كان قصره من حديد يطيح

واقرؤوا معي قول مريبد العدواني في المجد وصعود سلمه:

النوم راس اللوم بان الردى به

عين تبي النوماسي نومه شلافيح

الذيب ما يرقد ورزقه نهابه

يدور الغرات عند المصاليح

اللي يبا الطولات ينصب ركابه

العز بأوكار النضا.. ياهل الفيح

واقرؤوا معي إن شئتم في شعر لا يبعد عن سابقه وهو للشاعر ابن سبيل حيث يقول:

من ذاق حب السلهمة ما تناساه

يدبح مشيب والهوى له طروده

شرهة يدي ما كل عود تعصاه

ولا هي على عوج العصي محدوده

وقول الشاعر محمد العبدالله القاضي في وصف الصديق:

تخير من أجناسك نديم توده

وليف شفيق يفهم القيل عراف

يحمل لزلاتك ويبصرك ما خفا

وللقلب دربيل للأبعاد كشاف

واقرؤوا معي قول الشريف بركات:

لا تحسب إن الله قطوع يخليك

ولا تفرح إن الله على الخلق بداك

والضيف قم له بالثنا حين يلفيك

مما تنوشه يا فتى الجود يمناك

ووصيك لزلات الصديق إن عثافيك

مازال يغطاها الشعر فاحتمل ذاك

واحذرك من طرد المقفي حذاريك

عليك بالمقبل ودع من تعداك

قد يقول قائل إنك اخترت عيون الشعر الشعبي وأتيت به، فكيف تقارنه بشعر اليوم.. أقول لا إني أتيت بأشعار ليست من أحسن ما قاله هؤلاء الشعراء بل ما هي إلا من جملة ما سطروه وإلا فهناك أشعار لهم ولغيرهم قد تحاشيتها حتى لا أكون في قياسي ومقارنتي هوة واسعة.. وإني أحب هنا أن أنوه إلى شيء هام وهو قولي إنه يوجد اليوم في ساحة الشعر الشعبي أقدام راسخة وهامات طويلة وهناك أشخاص لهم القدح المعلا في الشعر الشعبي ومن هؤلاء صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل فأشعاره عالية السبك وإني حينما أسمع المغني يغنيها أكاد أطير في الفضاء ومثله شاعر الوطن صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبدالمحسن وشاعر آل سعود سمو الأمير عبدالعزيز بن سعود (السامر) وسمو الأمير خالد بن سعود الكبير.. ومن ثم إئذنوا لي أن أطير إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حيث شعر الشيخ محمد بن راشد بن مكتوم ونجليه.. ويعيش في قطار هذه الكوكبة من الشعراء أناس كثر كالشاعر حامد زيد والقحطاني..

وعوداً على ذي بدء إني حينما أنقد الشعر الشعبي اليوم فإني أنقده لأنه يخلو من شعر الحكمة وشعر الحكمة هو من أحسن أغراض الشعر بنوعيه النبطي والفصيح..

وأشعار اليوم طافحة بشعر الغزل الرخيص المبتذل الذي مفرداته كأنها ألغاز، والشاعر منهم يأخذ كلماته من شاعر آخر وهو لا يعرف معناها.

إذا إذا لي لائمة ونقد أوجههه إلى الشعر الشعبي فإني ألوم جهتين: ألوم شاعراً يقول هذا الشعر الرخيص وألوم يداً حامية تصفق له وهو خالي الوفاض من السبك والمعنى. إذاً نحن بحاجة ماسة إلى غربلة ما في الساحة الشعبية وما يطرح فيها من شعر.

عبدالعزيز بن محمد الروضان- بريدة ص.ب: 3461


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد