Al Jazirah NewsPaper Thursday  14/05/2009 G Issue 13377
الخميس 19 جمادى الأول 1430   العدد  13377
إعلام يلهث وراء الجيوب
إبراهيم المعطش

 

كثرت الفضائيات التي تستهدف جيوب المشاهدين، وتستدر أموالهم بطرق أقل ما توصف بها أنها ساذجة وفيها ضحك على عقول الناس، وذلك عبر الرسائل القصيرة، وتستهدف شريحة المراهقين والشباب من الجنسين على وجه الخصوص باعتبارهم صيدا سهلا، وهم الفئة المؤثرة، وبدأت الظاهرة بفضائيات محدودة واستهجنت الطريقة بشكل واسع من المجتمع ومن وسائل الإعلام (الرزينة) ولكن للأسف تنامت الظاهرة وشملت فضائيات عديدة وعريقة كان المشاهد ينظر إليها بعين الاحترام، لكنها ركضت خلف هذه الطريقة التي تقلل من مكانتها وتنقص من شأنها، فصارت الغالبية من القنوات الفضائية تنهج هذا النهج وتهتم بأسلوب الرسائل القصيرة كوسيلة لجلب المال من المشاهد.

لماذا أخذت الفضائيات تهتم بالبحث عن استنزاف المشاهدين حتى الإعلان صار رخيصا وهزيلا وخادشا للحياء، فتعرض الفضائيات إعلانات لمنتجات تافهة لكن الأصل فيها توظيف جسد الأنثى لجذب انتباه الشباب، وللفتيات المستخدمات في الإعلان مواصفات خاصة لا علاقة لها بالمنتج ولا بالإعلام كمهنة أو فن، بل هي حركات لإثارة الغرائز وتحريك الجسد، وهذا دليل على ابتعاد كثير من تلك الفضائيات عن الهدف الأساسي من الإعلام، والانصراف إلى أهداف أخرى مادية ومبتذلة وأبعد ما تكون عن الإعلام وعن خدمة المتلقي. أين الطرح الإعلامي الرصين، وأين الرسالة الإعلامية للفضائيات، وأين المبادئ والقيم، لقد نسي العديد من وسائل الإعلام الرسالة التي لا ينبغي أن تغيب عن البال، والتي لا تصب في مصلحة المشاهد وحسب، بل أيضا تخدم الإعلام ألا وهي الثقة، التي تحتاج وسائل الإعلام إلى تجسيرها مع المشاهد، ولكن ما يحدث من كثير من الفضائيات فيه سباحة عكس تيار تعزيز الثقة بين الطرفين، وفيه استهزاء بالعقول وتسطيح بالبسطاء، ومحاولة لصرف المشاهد عن أهم ما يبحث عنه في الفضائيات ألا وهي الفائدة الخبرية والمعلوماتية والترفيه والتسلية بأسلوب يراعي مشاعر الناس ويحترم عقولهم ويلبي تطلعاتهم.

هل تقع على الفضائيات مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه الأجيال، خصوصا من صغار السن من الفتيات والشباب المراهقين وغيرهم، أم أن مسؤوليتها تنحصر فقط في جباية الأموال ونهب الجيوب، وهل أصبح هم الإعلام والفضائيات تحديدا هما تجاريا في المقام الأول وبكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، أم أن الجانب التجاري يأتي ضمن المهام والمسارات المتعددة لوسائل الإعلام مثل بقية الأهداف والأقسام المهنية كافة العاملة ضمن الوسيلة الإعلامية؟ وإذا كانت المعادلة هكذا، لماذا يصبح الهم المادي هو المتصدر لكثير من وسائل الإعلام ؟ ولماذا تختار أقصر الطرق حتى لو كانت طرقا غير مشروعة مثل الضحك على عقول البسطاء، ونهب الجيوب بأساليب تتنافي تماما مع رسالة الإعلام وأخلاقيات المهنة ومع أسس وقواعد واعراف العمل المهني الاحترافي الرصين.

كل المهن وفنون الإبداع لها نظم ولوائح تحكمها وتضبط إيقاعها حتى لا يجنح بها ضعاف النفوس إلى مسارات تبتعد عن جوهر رسالتها، وعن دورها الإنساني والتربوي والتبصيري والإعلامي وهو الأهم، وتتجه بها نحو الأهداف المادية، ومزالق المنفعة والارتزاق بوسائل رخيصة. ولكن هل للإعلام مثل تلك اللوائح والضوابط، ومن يراقبها ومن يعمل على تنفيذها؟، ومن المتضرر من جنوح الكثير من الفضائيات عن تلك المسارات التي تخدم الإنسان أينما كان؟

لقد أصبحت الرسائل القصيرة هي الأساس لدى الكثير من القنوات، وما عداها هو الاستثناء، وأصبحت تشكل المصدر المالي المهم لتلك الفضائيات، ومن سلبيات ذلك تراجع الإبداع بشتى أنواعه وهو الذي كان يدر على وسائل الإعلام الدخل من خلال جذب المشاهد إلى برامج نافعة وموضوعية ومفيدة ومن ثم جلب الإعلام بناءً على ذلك الجذب، لكن أن تستجدي الفضائيات المال وتتسوله عبر الرسائل المخجلة، ومن جيوب البسطاء السذج الذين صنعت أفكارهم وسذاجتهم بطرحها السطحي الوضيع، فهذا هو الانحدار بعينه، وهو التراجع الإعلامي الحقيقي في زمن التقدم وعصر التقنية وزمن توفر المعلومة وسرعة نقلها وتحليلها وتوظيفها، ولكن أين فضائياتنا العربية من الإفادة من هذه التقنية العالية، وأين هي من الأمانة التي تلقيها المهنة على عاتقها تجاه المتلقي؟ وأين هي من النزاهة في الطرح واحترام عقول الناس ومشاعرهم والزهد عما في جيوبهم؟.

الفضائيات اليوم في أزمة حقيقية، وهي أزمة مركبة، اجتماعية مهنية، يسهم فيها المتلقي بشكل كبير وتسهم فيها وسائل الإعلام من خلال تقاعسها عن دورها، ويبرز فيها انعدام الضمير من خلال الابتعاد عن المهنية وابتزاز جيوب المشاهدين نظير سراب من سفاسف الأمور وليس نظير عمل إعلامي يستحق أن تدفع مقابله أموال من أي جهة كانت.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد