لا أدري من أين أبدأ الحديث عن هذا الرجل الشهم (الشيخ محمد بن يعقوب الهاجري - أبو يعقوب) رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.. |
هل أكتب عن طيبة القلب وسلامة الصدر وسعة الخاطر، أم أكتب عن السخاء والكرم والجود غير المتكلف، أم أكتب عن رحابة الصدر والبشاشة والبساطة وحسن التعامل ونبل الأخلاق، أم أكتب عن دوره البارز في مساعدة الفقراء والسعي لخدمة المحتاجين والمساكين بكل ما يملك، أم أكتب عن جميل حديثه وحسن كلامه وفصاحة منطقه وروعة أسلوبه القصصي الباهر. |
لقد أعياني الحديث عن هذا الرجل العظيم، وحار القلب فيما يكتب، وهذا حال العظماء عندما تحاول الكتابة عنهم. |
لقد جمع الله القلوب على محبته والارتياح له، أحبه الصغير قبل الكبير، والعامل البسيط قبل المدير والوزير، اشتهر بكرمه وسخائه وجوده، وصار بيته في الخرمة وبيته الآخر في الرياض مأوى للضيوف والزوار من الداخل والخارج: |
تراه إذا ما جئته متهللاً
|
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
|
لو لم يكن في كفه غير روحه
|
لجاد بها فليتق الله سائله
|
علمت عنه - رحمه الله - تتبع المحتاجين وإيصال الصدقات والأطعمة إليهم وسداد الفواتير عنهم والشفاعة لهم عند أهل البذل واليسار، وكان - رحمه الله - زاهداً في الدنيا متقللاً منها، دفعته بساطته للجلوس مع عامة الناس وأحياناً مع الضعفاء والمساكين من العمالة والوافدين.. ولو أراد أن يجالس الكبراء والوزراء لحصل له ذلك بحكم سمعته الطيبة وصيته البالغ، كما أن والده الشيخ يعقوب الهاجري - رحمه الله - كان من رجال الدولة العظماء المعروفين والمقربين عند الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - وكذا أخوه معالي الدكتور يوسف كان وزيرا للصحة في عهد الملك سعود - رحمه الله - وكذا أخوه الأستاذ القدير فهد كان مديراً عاماً لإدارة المطبوعات بوزارة الإعلام، وهو إعلامي مشهور ومعروف.. وكذلك غيرهم من أبناء الأسرة من ذوي القدر والمكانة. |
لم يكن - رحمه الله - ممن ينساق وراء الرسميات أو يسعى وراء التعقيدات والتكلف، كان مثالاً للسماحة والبساطة والتلقائية، تعلو البسمة محياه في كل وقت وفي كل مكان، من رآه أحبه وارتاح له، كانت حياته - رحمه الله - أشبه ما تكون بحياة المؤمن الصادق الوفي المحب للخير الساعي للإصلاح ونشر المعروف بين الناس، كان مثالاً عالياً في الأخلاق وحسن المعشر وطيب النفس، وبهذا يشهد الجميع، وإني لأتفاءل أن يكون ذلك شهادة له عند ربه؛ مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم (أنتم شهداء الله في أرضه). |
ويشهد الله أني ما كتبت ذلك إلا صادقاً محباً مخلداً لذكر ذلك النبيل.. |
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها
|
فالذكر للإنسان عمر ثاني
|
ولن يبقى إلا الذكر الحسن والدعاء الصادق. |
ومن شواهد وفائه وصدقه وحرصه على الخير - وهي كثيرة جداً - أنه كان يكرم من يعمل معه من الخدم والسائقين ويجود عليهم فصار لهم - رحمه الله - كالأب المشفق الحنون. |
ومن شواهد ذلك أنه كثيراً ما طلب مني كتابة الخطابات لبعض الموسرين لأجل مساعدة أرملة أو أيتام أو فقراء، حتى إنه اتصل بي -رحمه الله - قبل وفاته بأيام وأخبرني بأنه يريدني في حاجة لكن الأجل المحتوم عاجله قبل اللقاء به، ولا أظن هذه الحاجة إلا سعياً في بناء مسجد أو مساعدة محتاج أو تفريج كربة عن مكروب - رحمه الله رحمة واسعة -. |
ومن شواهد ذلك أنه سعى إلى إقامة مشروع نبيل، وهو القيام بحملات للتبرع اشتهرت بين الناس (بحملات أبو يعقوب) لفقراء الخرمة وأراملها، فكان بين الحين والآخر يجمع من أهل الخير الأرزاق ويضيف عليها ما فتح الله عليه به ويحملها بنفسه في الشاحنة الخاصة به ويقوم بتوزيعها عليهم في بيوتهم - رحمه الله - فلا تسأل بعد ذلك عن مشاعر الفرح والاغتباط والدعاء لذلك الرجل -رحمه الله - ويا ليت أبناءه البررة الشيخ يعقوب وإخوانه يسعون في استمرار هذه السنة الطيبة والعادة الحميدة براً بوالدهم ووفاءً له. |
ومن شواهد ذلك حرصه على إقامة الصلاة وقيام الليل وصدقة السر والشفاعة الحسنة وغيرها من الأعمال الصالحة {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}. |
ولا أدل على حب الناس له من كثرة الوفود التي قدمت لبيته في الرياض وكذلك في الخرمة لأداء واجب العزاء من الداخل والخارج، وقد أجمعوا على محبته وذكره الحسن والدعاء له - رحمه الله - حيث وافاه الأجل المحتوم يوم السبت الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة للعام التاسع والعشرين بعد الألف والأربعمائة من الهجرة. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وأسبغ عليه سحائب المغفرة والرضوان، وأسأله تعالى أن يجمعنا به ووالدينا وأحبابنا وأزواجنا وذرياتنا في جنات النعيم، وأن يغفر لنا ويتوب علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. |
الرياض |
|