Al Jazirah NewsPaper Friday  15/05/2009 G Issue 13378
الجمعة 20 جمادى الأول 1430   العدد  13378
ثقة ولاة الأمر غالية
د. عبدالرحمن بن سليمان الدايل

 

تهتم البلدان الناهضة بأبنائها، فهم أساس تقدمها ومصدر نمائها، ولذلك تبذل وتوجِّه جهودها نحو تعليمهم وصحتهم، وتوفير كافة الخدمات لهم، وتسعى لتوفير الأمن والأمان فوق أرضها ليتفرّغ أبناء الوطن لمواصلة البناء والتنمية.

ومع تعدُّد ميادين العمل التنموي تتضاعف وتتعدّد الجهود وتتنوّع المسؤوليات على القائمين عليها، ومع كثرة الطموحات - لدى الدول والشعوب - التي تفرضها طبيعة عالمنا المعاصر، نجد الدول في سباق لا ينقطع فيما بينها لتطوير أدواتها ووسائلها في تحقيق النهضة والتقدم والرخاء، بل والمنافسة داخل المنظومة الدولية.

ووطننا - ولله الحمد - لا يعيش بمعزل عن هذا العالم، بعد أن أصبح كيان المملكة له موقعه على خارطة التفاعل الدولية بما لها من إمكانات وقدرات، وما التزمت به من خطوط ومسارات واضحة، لتحقيق البناء والتطور على أرضها منذ تأسس صرحها على يد الملك المؤسس - رحمه الله - وسار على نهجه أبناؤه البررة من بعده، فقد جعلت قيادتنا سعادة المواطن وأمنه واستقراره ورخاءه مسعاها وهدفها في الداخل والخارج، وأصبح لها سياسة خارجية عبّرت عن قوّتها ومكانتها ورسوخ مبادئها، وشاهدت وعايشت أرض بلادنا خططاً تنموية، لم تَعُد آثارها خافية على كل متابع منصف، حيث تمكنت خلال فترة قصيرة من الزمان من بناء صروح حقيقية في مختلف حقول التنمية، وكان المواطن في كافة تلك الحقول هو الهدف والمستهدف الأول، فهل تم كل ذلك من غير جهود بشرية وتنظيمية وقيادية؟

إنّ ذلك أمر يصعب بل يستحيل تصوره، فقد تمكنت الإدارة السعودية - بدءاً من قيادتها وانتهاءً بالقاعدة العريضة من المنفذين في مختلف مواقع المسؤولية - من تحقيق هذه النهضة الشاملة التي تسجلها صفحات تاريخ البناء والتنمية في المملكة، واستطاع كلٌ في موقعه أن يؤدي دوره - على اختلاف تلك الأدوار - وارتسمت بذلك أسس التنمية وتحقق منها الكثير من الأهداف، وتواصلت مسيرتها لتحقق المزيد من الطموح، الذي يقف خلفه جهود أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم ومسؤولياتهم ومواقعهم.

كان لا بد من هذه المقدمة الضرورية حين نتحدث عن اختيار الكفاءات من أبناء الوطن لتولِّي مسؤوليات قيادية في بعض المواقع حين قرأنا تعليقات صحفية بهذه المناسبة، وقد طرح بعضها قضايا هي محل اهتمام في ذاكرة الفكر الإداري منذ أمد بعيد، فقد ارتبط اختيار المسئولين لموقع المسؤولية بالكفاءة والخبرة، والقدرة على إدارة الموقع المؤهّل له بما يحقق أهدافه، ويلبي طموحات القيادة العليا في اختياره.

ولو أعدنا النظر فيما تحقق على أرض الوطن، من تنمية ونهضة في مواقع العمل والحياة المختلفة، أدركنا حجم الكفاءات والخبرات التي كانت وراءها، وازدادت وترسّخت الثقة بهذه القيادة الواعية التي تحسن الاختيار، وتجعل لكل مرحلة ما يناسبها من القيادات المسئولة في مواقع العمل المختلفة.

أمّا ذلك الذي نراه في بعض الصحف من آراء وتعليقات، تدور حول ما يفاجأ به المتحفِّزون لمواقع المسؤولية، أو ما يخالط بعضهم من شعور مشوب بالإحباط لعدم الاختيار، فإنّ ذلك ينبغي أن نجعله في مكانه النفسي والشعوري الصحيح المتمثّل في الدافع والمحفز، الذي يجعل بعضهم في موقف الواثق والمتحفِّز والمتطلِّع لوقوع الاختيار عليه.

إذا كان ذلك لثقته في نفسه وكفاءته وقدرته، فمن ذلك الذي بمقدوره أن يحكم على نفسه، ويقيم قدراته قياساً لإمكانات غيره دون أن يجحف بحق الآخرين أو ينتقص منهم؟

وإذا كان ذلك عائداً إلى فرط ثقة في الذات، فما الفرق بينه إذن وبين الغرور الذي يجعل صاحبه لا يرى سوى نفسه؟

وإذا كان الحافز هو الرغبة في العمل وخدمة الوطن، فهل تتوقف فرص ذلك عند موقع القيادة في الوزارات فقط؟

أليست خدمة الأوطان فسيحة المجالات، ومتعدّدة المسؤوليات، ومن أراد الخدمة الحقيقية - دون رياء أو انتظار لمديح أو تعيين في موقع - فإنّ إتقانه لعمله، وأداءه لمسؤولياته، وإخلاصه في أدائها - من غير شك - هو خدمة لوطنه الذي ينتظر منه المزيد من العمل والإخلاص منه ومن كل فرد فيه.

إنّ خدمة الوطن والإخلاص فيها ليست شعارات أو كلمات تقال، أو هي مقصورة على أعلى درجات المسؤولية داخل الوزارات، بل هي تعبير عن الانتماء، وحرص على كفاءة العمل والعطاء لا ينتظر صاحبها شكراً على ما أنجز، ولا يخاف من نقد على ما قصر فيه، وخدمة الوطن ليست في السعي فقط نحو أعلى المناصب، أو في الحرص على الفوز بها، فخدمة الوطن شرف يناله جميع أبنائه في جميع مواقع الخدمة والعمل. ولكن العبرة - كل العبرة - في الإخلاص لهذا الوطن الذي يحتاج لجهود كل أبنائه، ويحتاج أكثر إلى تكاتفهم وتعاونهم ليكونوا مثل الجسد الواحد والبنيان الواحد الذي يشد بعضه بعضاً.

ومع ذلك فإنّ من يقع عليه الاختيار لمراتب أعلى ولمواقع المسؤولية، يظل في دائرة التطلّع إليه من قبل غيره، يرقبه متطلّعاً إلى نجاحه، ليثبت جدارته بالثقة التي أولاه إياها ولي الأمر خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله -، ومتطلّعاً أيضاً أن يكون على قدر هذه المسؤولية في عطائه وإخلاصه لهذا الوطن وأبنائه.

ولذلك تكثر الاجتهادات الصحفية، وتتزايد الانتقادات والآراء حول أداء بعض الوزارات والمصالح الحكومية .. لا رغبة في النقد، أو سعياً نحو إبراز السلبيات، ولكن حرصاً دائماً على تحسين الخدمات التي تنفق عليها الدولة - أعزّها الله - الكثير من المال والجهد، وتختار لها ذوي الخبرة والاختصاص والثقة، مما يجعلنا نقول: المزيد من المثابرة والصبر أيها المسئولون، فتطلُّعات المواطنين إليكم كثيرة، وثقة ولاة الأمر فيكم غالية، لتحقيق المزيد من التنمية في مختلف الميادين.

والله من وراء القصد..

- وكيل الوزارة بوزارة الثقافة والإعلام - سابقاً



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد