Al Jazirah NewsPaper Friday  15/05/2009 G Issue 13378
الجمعة 20 جمادى الأول 1430   العدد  13378
مشكلة الطلاق والمسؤولية الاجتماعية
مندل عبدالله القباع

 

من المشكلات الاجتماعية شديدة الوطأة لكونها أم المشكلات الاجتماعية عامة.. مشكلة التصدع الذي ينال الأسرة حال انفصال الزوجين بفعل الطلاق.

وهذه المشكلة لا يمكننا التوقف فيها عن البحث والدراسة لأسباب لعل أهمها:

1- أن الأسرة المسلمة عامة والسعودية خاصة مستهدفة من اتجاهات كثيرة.

2- خصوصية الأسرة السعودية بثقافتها وقيمها الإسلامية، وتمايزها وفقاً لظروفها التاريخية وأوضاعها المكانية ومكانتها الإقليمية والدولية.

وهذا فنحن نرى أن الأسرة السعودية في حاجة ماسة للمساعدة في محاولات التصدي لموجهات الشطط، ونوبات التأزم الانفعالي ومحاولات الزحف التغريمي من قبل المتربصين بها، بقيمها وأخلاقها وتاريخها وثقافتها.

من هؤلاء المتربصين راسمو سياسات الفضائيات بقصد العصف بالعقول والأفكار والسلوكيات، فلا يمكننا التهوين منها أو التهويل فيها.

فقضية التعددية مثلاً وهي تسير لدينا وفقاً لشرع الله فهم يقابلونها بامتعاض في الوقت الذي يبشرون فيه بفوضى الزواج العرفي الشفاهي وزواج الفرند، والإنجاب خارج الزواج، وزواج البيزنس، وزواج المتعة الحالة، والزواج السياحي، وزواج التجربة فيما قبل الزواج الرسمي، وزواج المثلية في الجنسين.. إلى غير ذلك.

ويقيناً نحن نشفق على أجيالنا الصاعدة من هذه الاتجاهات غير الشرعية وهم يرون واقعاً مغايراً يدفع بهم إلى دوامة الإحباط أو دوائر جلد الذات أو حالات التوتر والاضطراب والامتعاض.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: هل هذه الحالة النفسية تعتري من هم على أعتاب أو في مستهل المرحلة الزواجية، أم هؤلاء الماضون في واقع الزواج، وهم يمثلون محور البناء الاجتماعي، ومرتكز فكر التنمية وهم طاقتها الجديد، والمتجددة؟

والإجابة إنه كلاهما!! فما دمنا نتمحور حول الأسرة السعودية فهي في ذلك الواقع شديد التغير تعيش حالة من الحيرة المربكة اجتماعياً وهو أمر ليس بخاف.. حيث الحيرة بين تاريخنا الثقافي المتوارث وبين الواقع السباقي الصراعي النهم، وما يواكبه من أجواء تشيع إحساساً بغياب الأمن النفسي والاجتماعي واهتزازه قيم الاستقرار الأسري والتوافق العائلي.

لكننا -على الرغم من ذلك- فنحن مع المتفائلين دوماً بأن دور الاختصاص هام جداً وفعّال ولا يمكن النأي عنه. ولذا أهيب برجال الاجتماع والخدمة الاجتماعية والطب النفسي بمراكزنا العلمية البحثية وجامعاتنا العريقة القيام بدورهم في مراجعة حال الأسرة السعودية في ذياك العالم المتغير، والتحلي بالجسارة العلمية المعهودة لكشف السلبيات على المستوى الاجتماعي والنفسي والثقافي، وقياس مدى شعور الأسرة السعودية بالانسجام والتوازن والأمان النفسي والاجتماعي المعهود، مع عدم الوقوف عند حد التفسيرات والتأويلات النظرية، بل تجازها بوضع البرامج والمخططات الموضوعية الكفيلة بالتطوير، والمسؤولة عن الإصلاح، مع التسليم المطلق وبمبدأ أنه الأسرة هي الخلية واللبنة الأولى في بناء صرح المجتمع فاستقامتها فيه صلاح البناء الاجتماعي بأسره وان أصابها كل تهاوى بفعله البناء الاجتماعي كله. والحقيقة أن قوة الأسرة يمكن في تجانسها وتماسكها وتوحدها الإنساني، والإيمان بتاريخها الثقافي، وبعدها الأخلاقي، والحمد لله أن الأسرة السعودية مهما اعتراها من مشكلات فهي قادرة على الاستجابة الإيجابية الفاعلية إذا ما خلصت النوايا وصدق العزم، لكننا نطمح لبلوغ الأفضل دائماً. نعم فالإرادة السعودية عامل أساس في الإنجاز والنجاح والعبور بإيمان وثقة واطمئنان إلى العصر الحديث ومواجهة تحدياته.

وهذا لا يمنع من التعرض لواحدة من مشكلات الواقع (المتغير) التي تمر بها الأسرة السعودية لما لها من آثار خطيرة على مسيرة التنمية والتقدم كما لها انعكاساتها على صياغة رؤية مستقبلية شاملة تقوم على تكامل الأدوار والعمل المثمر المشترك في كافة أمور الحياة، والوقوف بعزم أمام مخططات الاستعداء على أسس ومبادئ وقيم حضارية إنسانية عربية إسلامية صلبة لا تستجيب للإغراءات مهما كانت ولا تتحرك بفعل الأحداث والأجندات والسناريوهات الأجنبية.

ومن خلال خبرة كاتب هذا المقال بالعمل الاجتماعي والمشكلات الأسرية والسلوكيات التي تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً أن أقرر بكل الحقيقة وليس بجزء منها أن التصدع الأسري الذي يقع نتيجة انفصال الزوجين بالطلاق يرجع في الأساس إلى وهن في سلوك وعلاقات التواصل نتيجة سوء الفهم المتبادل بين الزوجين لأن كلا منهما لم يتهيأ لهذه الحياة الزوجية فالزوج كان في حياته مع أسرته قد يكون قليل الخبرة الاجتماعية ولم يمر بالمواقف التي تمنحه الثقة بالنفس وتحمل أعباء الحياة اليومية التي تجعله يعتمد على نفسه بعد الله وبالتالي ينهار ويفقد صوابه لأتفه الأسباب والمواقف وكذلك الزوجة التي جاءت من بيت أهلها وهي تفتقد مقومات تكوين بيت الزوجية والأسرة وقد تكون تعودت في بيت أهلها على تقديم الخدمة لها دون عناء منها أو تعب كل شيء يقدم لها من مأكل وملبس حتى غرفتها الخاصة تجد من يقوم بتنظيفها وترتيب ملابسها والبعض منهن وأغلبهن لم تدخل المطبخ يوما في حياتها فإذا كان هو أي الزوج على هذه الحال وهي كذلك فأين مقومات الحياة الزوجية إلا من رحم رب لذا تجد أن الخلاف والصراخ وعدم التوافق ديدنهما مع عدم الوضوح الكامل في المشاعر وعدم احترام الأدوار، وعدم القدرة على تثمين الأفعال والحفز عليها، مع نسيان الفضل بينهم، وتواري قيم التسامح، وعدم الاعتراف بالخطأ مما يحول دون تصحيحه والتمادي فيه، وعدم الوعي بالتغير الحادث في العالم وفي المحيط وتأثير ذلك في مجتمعنا مع عدم المطاوعة الاجتماعية وتحمل تبعات المسؤولية الاجتماعية إزاء مستجدات الفكر الإنساني والتكنولوجيا الحديثة وعدم إدراك تأثيرات هذه المتغيرات وما خلفته من آثار في الواقع الاجتماعي المعاصر وبالتالي تتصدع الحياة الزوجية ويحصل الانفصال بالطلاق.

وعلى الرغم من هذه الأسباب وإن بدت مقنعة إلا أننا لا نتفق مع عشوائية الطلاق لاسيما وأن من مخرجاته توابع مزلزلة مثل بشاعة الموقف الصداعي وما يخلفه من بؤس للأبناء ناهيك عما تعانيه الزوجة وأهلها، أما الأبناء فمن الملاحظ من خلال خبرة الحياة والمهنة نجد مآل معظمهم تغص بهم قاعات محاكم الأحداث والتكدس في عنبر الإقامة بدور التوجيه والملاحظة الاجتماعية ويصبحون على الرغم منهم صناع اللاسواء السلوكي الذي يظهر في وقائع مناهضة المجتمع واللجوء للعنف والعدوان. فضلاً عما يتعرض له الزوج نفسه من ملاحقات قضائية ودعاوى اتهامية تبدأ بتبديد ممتلكات الزوجة، والنفقة، ومصروفات الأبناء.. وغيرها من مشكلات يطول الحديث عنها وتطول وقائعها في المحاكم، ومطالبات الزوج بما لدى المرأة من حقوق له مثل استرجاع المهر أو جزء منه أو التنازل عن النفقة بالنسبة للأم وقد تطول هذه القضايا سنين طويلة دون أن يصدر القاضي صكا بالانفصال.. وماذا بعد؟ للحديث بقية إن شاء الله.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد