الطالب الأصم عندما يأتي إلى مدرسة أو معهد (ليلي) سواء كان كبير سن إلى حد كونه جَداً، أو شاباً عشرينياً أو ثلاثينياً، فالهدف من مجيئه ليس قضاء وقت يتخلله اللهو واللعب، وتناول ما لذ وطاب من طعام وشراب كمن حضر إلى وليمة عامرة. بل إنه جاء ليتزود بالعلم والمعرفة وهذا حق مكفول له أساساً، ويتسلح بهذا العلم لمواجهة ما يعترضه من مشكلات في حياته، ويتزود بتوجيهات وذلك من خلال ما يتلقاه من معلمين أكفاء في مختلف التخصصات، ثم ليحصل على شهادة إما تؤهله للحصول على وظيفة يأكل من ورائها عيشه حلالاً طيباً، أو أنه موظف فيحصل من وراء هذه الشهادة على ترقية وبالتالي زيادة في راتبه الذي يتقاضاه، ومن وراء ذلك تحسن مستواه المعيشي، ثم ما يتبع ذلك من فرح وبهجة تدخل فؤاده لأنه درس وجدّ واجتهد، ونال شهادة كغيره من البشر.
وإضافة إلى ذلك لا ينكر أن حضور الطالب (الأصم) لتلك المدرسة الليلية أو المعهد فيه من الفوائد ما لا حصر له لهذا الطالب، ومنها: التقاؤه بقرنائه من الطلاب الصم وتبادل الأحاديث والأفكار، والتواصل معهم وازدياد الترابط وتوثيق العلاقات، وهذا له أعظم الأثر في توفير الاستقرار النفسي لهذا الشاب أو ذلك الأب في بيته ومع أهله، وهذا برأيي لا يقل أهمية عن الهدف المعلن والظاهر وهو زيادة الحصيلة المعرفية لهؤلاء وحصولهم على شهادات تؤكد ذلك.
ثم إن هناك أموراً قد تغيب عن بال الكثير ممن لم يحتكوا من قريب أو من بعيد بهؤلاء الطلاب الصم وأعني بهم تحديداً (طلاب الليلي) منها: تضحية بعضهم بمصالح لهم كتركهم لأعمال ذات عائد مالي، وذلك ليحضروا إلى المعهد ليدرسوا ويطلبوا العلم.
ومنهم من لا يملك سيارة ومع ذلك فإنه يصرف جزءاً كبيراً من راتب عمله يدفعه لسيارة الأجرة التي تحضره يومياً إلى معهده!!
ولقد كان بعضهم يأتي مساء إلى المعهد وهو بحالة يرثى لها صحياً، كل ذلك حرصاً منه ألا يفوته شيء، خصوصاً عندما يكون العام الدراسي في آخره.
ما سبق من ذكر أهمية دراسة طلاب الليلي وحرصهم واهتمامهم بذلك ليس كل شيء، لكن مع كل ما ذكر وغيره لم يشفع لتلك المعاهد الليلية أن تبقى مفتوحة لهؤلاء المحتاجين لها من تلك الفئة الغالية علينا وعلى المسؤولين كذلك، فما أسباب إغلاقها، وتحويل هؤلاء الطلاب جميعاً إلى طلاب (منازل)؟؟
إن شبهنا ذلك بضيء، فإننا نشبّهه بمن يمشي في ظلام على ضوء سراج، فانطفأ أو أطفئ ذلك السراج، ولا مبالغة في ذلك، فهؤلاء الكبار من الصم يحتاجون إلى من يشرح لهم مناهجهم، ويبسطها لهم.
ثم إن الدراسة الليلية كانت بمثابة كسر لعزلتهم، فهل نرجعهم إليها؟
والأمر الذي لا ينكر كذلك هو أن نفسية الطالب الأصم من الكبار تميل إلى الحدة، فهو يأنف من الحضور ليمتحن مع صغار السن، فلماذا لا يقام لذلك اعتباراً؟
إن أملنا كبير بمسؤولي التعليم من جهات إشرافية أو توجيهية أو تنفيذية أن يراجعوا هذا القرار بما فيه المصلحة والنفع في الدرجة الأولى والأخيرة لهؤلاء الطلاب الصم، فهم ليسو سوى أبناء أو إخوة لهم، وإن هؤلاء المسؤولين الكرام محل الثقة والتقدير منا جميعاً بلا ريب.
فلتشعلوا لإخوانكم سراجهم، حرم الله وجوهكم على النار. آمين.
al-boraidi@hotmail.com