Al Jazirah NewsPaper Friday  15/05/2009 G Issue 13378
الجمعة 20 جمادى الأول 1430   العدد  13378
القرصنة.. سرطان في جسد عالمي
د. أحمد العثيم

 

أصبحت القرصنة قضية دولية مؤرقة لجميع الدول بما فيها من سلطات أو شعوب أو حكومات أو تجار.. حيث إنها تعد من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم بما تشهده من حوادث وإرهاب واغتيال وعمليات مسلسلة من الخطف المستمر للسفن المارة قبالة السواحل الصومالية سواء كانت تجارية أو سياحية.. بهدف الحصول على فدية مالية كبيرة أو الاستيلاء عليها.

وعلى الرغم من المحاولات الدولية العديدة التي تمت للحد من هذه الظاهرة إلا أن أساطيل الدول الكبرى المتواجدة في هذه المنطقة تبدو عاجزة حتى الآن عن مواجهة نشاط القراصنة حيث إنهم يستمرون في التحدي مع أعتى جيوش العالم.

فنحن أمام أزمة حقيقية قد تفجر حرباً عالمية ثالثة فليست القرصنة تمثل تهديداً للأمن والاستقرار والاقتصاد والمصالح الاستراتيجية لكافة الدول المطلة عليه أو المتحكمة في منفذه الجنوبي عبر خليج عدن وباب المندب واليمن والصومال أو من قبل مصر المتحكمة في المدخل الشمالي عبر قناة السويس أو المملكة العربية السعودية حيث إنها من إحدى الدول العربية المطلة على البحر الأحمر والذي يعتبر بالنسبة لها أحد الشرايين المهمة البديلة لتصدير منتجاتها بعيدا عن موانئ التصدير الواقعة على الخليج العربي التي تعرضت باستمرار خلال العقود الثلاثة الأخيرة لعدم الاستقرار بل واجهت تهديدا يشمل أمن دول الخليج كلها بشكل مباشر، حيث إنها تعتبر المستفيد الرئيسي من الممر المائي لتسهيل مرور نفطها وتجارتها إلى الشمال فقط بل إن التهديد يشمل أمن العالم أجمع وتجارته واستقراره حيث إن البحر الأحمر هو الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية سواء كانت أوروبا أو غيرها بالإضافة إلى احتياج أوروبا إلى نقل أكثر من 60% لاحتياجاتها من الطاقة عبر البحر الأحمر وأيضاً نقل نحو 25% من احتياجات الولايات المتحدة الأمريكية من النفط العربي.

فهذا الممر قد يمثل أكثر من 30% من الإنتاج النفطي العالمي ونحو 325 مليون طن من البضائع حيث إنه يشكل نحو 10 في المئة من حجم التجارة البحرية العالمية كل ذلك أصبح تحت قبضة شبكة من مئات القراصنة الصوماليين.

ويشكلون شبكة فائقة التنظيم بطريقة الخلايا العنقودية لضمان الانتشار والسرية فهي تتكون من مجموعات كل مجموعة من عشرة إلى عشرين شخصاً وتشير المعلومات إلى أنهم يتقنون العديد من اللغات بينها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والهندية.

كما تمتلك إمكانيات للتواصل والتفاوض مباشرة أو عبر وسطاء مع الجهات المعنية بالإفراج عن السفن وطاقمها ما دفع بقادة الدول الكبرى والسياسيين والعسكريين إلى الإقرار بعجزهم عن مواجهتها مما نشط عمليات القرصنة بصورة غير مسبوقة فقد بلغت الهجمات مستوى حرجا خلال العام الماضي 2008 وبداية العام الحالي 2009 الجاري، مؤكدا لذلك حصيلة أخيرة للمكتب البحري الدولي انه منذ مطلع عام 2008 هوجمت 92 سفينة في خليج عدن والمحيط الهندي من قبل قراصنة صوماليين بينها 11 في الفترة الممتدة بين 11 و16 تشرين الثاني- نوفمبر وحدها. ويحتجزون حاليا نحو 260 بحارا على متن 19 سفينة مخطوفة بينهم نحو 100 فلبيني.

وبتحليلنا لهذه الظاهرة نرى أن هذا قد يرجع إلى وجود خلل وقصور يمكن عرضهما في اتجاهين: الاتجاه الأول يمثل الجانب القانوني وينقسم إلى شقين أولهما عدم وجود مسوغ قانوني للتدخل باعتبار أن ما يقوم به هؤلاء لا يندرج في إطار (الحرب على الإرهاب) حيث تصنف أنشطتهم في خانة (الجرائم البحرية) وثانيهما أنهم يفاوضون من موقع قوة حيث بإمكانهم المساومة على الرهائن والسفن المحتجزة وحمولتها فقد يصف المكتب البحري الدولي القراصنة بأنهم (مسلحون خطرون وقساة لا يتورعون عن تنفيذ تهديداتهم بالقتل في أي لحظة).

الاتجاه الثاني: وجود ضعف وتدهور الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية وغياب السلطة المركزية في المنطقة الصومالية وتردي الأوضاع الاقتصادية فقد تنامت هذه الظاهرة ب(الفقر وضعف الاقتصاد في بلاد البنط التي تواجه فترة ركود اقتصادي مريع حيث عجزت الحكومة عن دفع رواتب عناصر الشرطة والجيش لأشهر عديدة وعدم وجود أنشطة اقتصادية مشروعة إلى نشوء نظام اقتصادي قائم على الجريمة وهو ما أدى في النهاية إلى تفاقم الظاهرة لما تدره من أرباح طائلة على القراصنة..

فحل مشكلة القرصنة لن يتأتى إلا إذا التفت المجتمع الدولي إلى مشكلة الصومال التي امتدت لأكثر من عقدين من الزمان وينبغي حلها حلا جذريا كما أنه يمكن التعامل مع هذه المشكلة من خلال تأسيس نظام أمني بحري جماعي تقع مسؤوليته المباشرة على دول منطقة القرن الافريقي والبحر الأحمر لحماية أمن العرب القومي ومصالحهم الاستراتيجية التي تتمثل في السيادة والاقتصاد والأمن والمصير المشترك والتي قد يضيعها ضيق أفق بعض الأنظمة وعدم قدرتها على التبصر واستيعاب الأخطار الجادة المحدقة بكل أركان النظام العربي وخصوصاً أن أكبر أزمة يمر بها العمل العربي المشترك هي عدم إدراكه للمتغيرات الإستراتيجية التي تدور من حوله وإن أدركها فإنه لا يتعامل معها بالجدية التي تستحقها.

ولذلك ندعو بأهمية تعزيز التعاون العربي الإفريقي من أجل دعم جهود مكافحة القرصنة ومعالجتها ومواجهة تهديداتها لاسيما بين الدول المتشاطئة للبحر الأحمر فحسب بل للنظام العربي ككل عن طريق:

1- وضع إستراتيجية أمنية عربية شاملة لتأمين البحر الأحمر وحماية حرية الملاحة الآمنة فيه لكافة دول العالم.

2- تشكيل قوة بحرية عربية مشتركة للدول المطلة على البحر الأحمر تعمل وفق اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتحت مظلة جامعة الدول العربية.

3- ضرورة تقديم الدعم والمساعدة للصومال ماليا وسياسيا لتشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على نشر الاستقرار والأمن وفرض النظام على كامل ترابه ومياهه الإقليمية.

4- ضرورة التنسيق العربي مع القوات المتواجدة في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن للعمل معاً تحت مظلة الأمم المتحدة وفي إطار القانون الدولي.

5- أهمية تشكيل مراكز للرصد والمتابعة لأمن البحر الأحمر وممراته ومنافذه.

6- تعزيز التعاون الاقتصادي والتنسيق العربي مع الدول الإفريقية وضرورة الاهتمام بدول حوض النيل حماية للأمن القومي العربي.

7- أهمية إشراك الدول الخليجية في أي استراتيجية عربية لتحقيق الأمن والاستقرار في البحر الأحمر وممراته ومنافذه حيث إن خطورة أعمال القرصنة لها تأثيراتها المباشرة على النفط الذي يعتبر المصدر الاقتصادي الرئيسي لدول الخليج، كما أن لها تداعياتها غير المباشرة المتمثلة في إمكانية امتداد أعمال القرصنة المدعومة لبعض الدول الإقليمية والقوى الدولية إلى منطقة الخليج العربي.



E_mail: info@othaim-int.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد